فهرس الكتاب

الصفحة 372 من 19081

الصيغة ذات الإيجاز والدقة, لأنها أنص وأحبك, فقولنا - مثلا:"كل من أتلف مال غيره بتفريط منه كان ضامنا له", قاعدةٌ فقهية تضبط الفروع والجزئيات في ضمان المتلفات, وهي مكونة من أربع عشرة كلمة, فلو هذبناها وصغناها في قولنا:"من أتلف مال غيره تفريطا ضمنه", لكانت أوجز وأدل, لاشتمالها على ثمان كلمات, مع الدقة وقوة الدلالة. ولو اختصرناها وصغناها في قولنا:"المفرط ضامن"لكانت أحكم وأدق وأنص على مضمون القاعدة.

وكذلك قول الفقهاء:"المعروف عرفا كالمشروط شرطا", أوجزُ منه وأجود.

قولُهم:"العرف كالشرط".

وهكذا, فصيغة القاعدة لا تكون مناسبة ومرضية إلا إذا صيغت بإيجاز محكم, وهذا يتطلب في مُقَعِّدها ومُنشئها أن يتعاضد عنده أمران اثنان لا غنى له عنهما, أحدهما: التمكن من الفقه وأصوله, والثاني: التمكن من اللغة العربية وأساليبها.

وقد نبه على ذلك بعض الباحثين الذين وقفوا على هذه المسألة, منهم الدكتور أحمد بن حميد الذي اهتم بها وعقد لها فقرة عنونها بقوله:"صياغة القاعدة"قال فيها:"تتميز القاعدة من حيث الصياغة بالإيجاز في التعبير مع شمولية المعنى, وغالبا ما تكون في كلمات معدودة كقاعدة"العادة محكّمة"وقاعدة"الخراج بالضمان". فهاتان القاعدتان رغم كلماتهما الموجزة, تتسعان لكثير من الأحكام والفروع, وهذا لأن من أغراض القاعدة سرعة استحضارها وثبوتها في الذهن, وهذان الأمران يناسبهما الإيجاز وتقليل الكلمات, والإيجاز نوع من الإعجاز البلاغي يحتاج إلى مقدرة فقهية عالية وامتلاك لناصية البيان" [1] . ونبه في آخر هذه الفقرة إلى أن القاعدة قد تتضمن بعض التفصيل إذا كانت من قواعد الخلاف, ومثّلَ لذلك بقاعدة من قواعد ابن رجب الحنبلي وهي قوله:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ذكر ذلك في قسم الدراسة الذي صدر تحقيقه لقواعد المقري. انظر ص 119. وممن ذكر هذه الخاصية الدكتور محمود آل هرموش، انظر كتابه"القاعدة الكلية إعمال الكلام أولى من إهماله وأثرها في الأصول"ص 21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت