ارتكابه؛ وذلك لأن ارتكاب المحرم للضرورة هو رخصة شرعها الله تعالى للمضطرين, فيجب أن لا تتعدى محلها وتتجاوز موضعها؛ لأن المكلف إذا جاوز بها موضعها فهو مرتكب للحرام من غير ضرورة, فيكون آثمًا, من باب أن الدوام على الشيء كابتدائه, فالجائع المضطر له أن يأكل من الميتة بقدر ما يدفع عنه خطر الهلاك, فإذا اندفع عنه لم يحل له الأكل بعد ذلك, فإن تمادى على الأكل فهو كمن أكل الميتة ابتداءً من غير اضطرار.
وهذه القاعدة مقيِّدة لقاعدة"الضرورات تبيح المحظورات"ومعنى ذلك أن جواز ارتكاب المحرم عند الضرورة ليس على إطلاقه بل هو مقيد بحال الضرورة وحجمها ومقدار خطرها, فالنظر إلى العورة محرم, ويجوز للطبيب الإقدام عليه لضرورة العلاج, لكن إنما يباح له من ذلك ما تمس إليه الحاجة وهو موضع العلاج.
ومما يدخل في تقدير الضرورة بقدرها أنها إذا زالت واندفعت وجب أن يرتفع حكم الإباحة ويصار إلى الأصل وهو الحرمة؛ لأن علة الإباحة هي وجود الضرورة فمتى اندفعت الضرورة ارتفعت الإباحة [1] , ولذلك جاء من صيغ القاعدة أن الضرورة إذا اندفعت لم يبح لها ما وراءها. ويؤكد ذلك أيضًا القاعدة الخامسة من القواعد ذات العلاقة"ما جاز لعذر بطل بزواله".
وتقدير الضرورة, ومعرفة حجمها يختلف عند الفقهاء ـ باختلاف حال المكلف ونوع المحظور المضطر إلى ارتكابه, والضابط في ذلك عندهم أنها تتقدر بما يحقق اندفاع الخطر عنه, فإذا أيقن المكلف أو غلب على ظنه أن الضرر قد زال والخطر قد اندفع فذلك هو الحد الذي يجب أن لا يتمادى معه في ارتكاب المحرم, ومن النماذج التي يمكن الاحتذاء بها والقياس عليها في تفصيل هذا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] شرح المجلة للمحاسني 1/ 52.