ويظهر أثر الخلاف في القاعدة في العبادات خاصة, فمن ذهب إلى أن"الرخص لا تناط بالمعاصي"يرى إلزام العاصي بالإعادة إن أخذ بالرخصة حال معصيته. أما القائلون بأن"العصيان لا ينافي الترخص"فلم يروا عليه الإعادة.
وسبب الخلاف في هذه القاعدة هو الاشتراك اللغوي الوارد في قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} إذ يحتمل أن يكون المراد به: غير باغ ولا عاد في سفره, أي أن سفره سفر طاعة لا سفر معصية, ويحتمل أن يكون المراد به: غير باغ ولا عاد في تناوله لأكل المحرم, أي أن المضطر لأكل الميتة يحل له الأكل منها بشرط ألا يتجاوز حد الضرورة وهو سد الرمق. فالقائلون بأن الرخص لا تناط بالمعاصي حملوا الآية على المعنى الأول, والمجيزون للترخص حملوها على المعنى الثاني. [1]
وهذه القاعدة استثناء من القاعدة الكبرى (المشقة تجلب التيسير) [2] ؛ إذ الرخصة في حقيقتها تيسير مبني على أعذار العباد, بسبب المشقة الناشئة عن إيقاع مطلوب الشرع على وجه العزيمة, فوجب أن لا يتمتع بها من ذوي الأعذار إلا المطيع دون العاصي؛ لأن المشقة التي تجلب التيسير إنما هي مشقة الطاعة, أما المشقة الناشئة عن معصية فلا. كما أنها استثناء من قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) [3] إذ إن شرط إباحة الضرورة أن لا تكون مقرونة بالمعصية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر القواعد والضوابط لابن المبرد 1/ 83.
[2] الأشباه لابن السبكي 1/ 48،49، أشباه السيوطي ص 160، أشباه ابن نجيم ص 84، المنثور للزركشي 3/ 169، المجموع المذهب للعلائي 1/ 343، القواعد للحصني 1/ 308، وغيرها.
[3] المنثور في القواعد 2/ 317، الأشباه والنظائر للسيوطي ص 48، غمز عيون البصائر للحموي 1/ 275، حاشية الروض لابن قاسم 2/ 146، فتح الباري لابن حجر العسقلاني 6/ 80، 94، أحكام القرآن للجصاص 3/ 293، المبسوط للسرخسي 10/ 145.