إلا أن الشافعية هم أقرب إلى رأي الحنابلة في هذه القاعدة, إذ لهم قولان في بعض تطبيقات القاعدة كمسألة الوكيل [1] في البيع مع إطلاق الإذن, أي دون أن يحدد له الموكل ثمنا معينا يبيع به, فيملك البيع بثمن المثل وبدونه بما يتغابن بمثله عادة [2] , فإذا باع بما لا يتغابن بمثله عادة, فهو معتد لتصرفه فيما لا يملك التصرف فيه, إذ إن (المحاباة ممن لا يملك التبرع بمنزلة الهبة) والوكيل لا يملك ما وكل فيه فلا يملك الهبة, و"كل من لم يملك الهبة لم يملك المحاباة" [3] . فإذا وقع من الوكيل هذا التجاوز, فهل يضمن بقية ثمن المثل كله, أو يضمن فقط القدر الزائد عما يتغابن بمثله عادة [4] , ويبقى مقدار ما يتغابن الناس فيه عفوا كما هو الأصل؟
قال الحنابلة: على الوكيل ضمان النقص, وفي قدره وجهان:
أحدهما: أنه يضمن ما بين ثمن المثل وما باع به.
الثاني: أنه يضمن ما بين ما يتغابن الناس به, وما لا يتغابن الناس به, لأن ما يتغابن الناس به يصح بيعه به, ولا ضمان عليه.
والأول أقيس, لأنه لم يؤذن للوكيل في هذا, فأشبه بيع الأجنبي [5] .
وقد ناقش الزركشي هذا المثال تحت قاعدة: (تعدي محل الحق إلى غيره
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ما ينطبق على الوكيل ينطبق على الوصي والمضارب ... إلخ، انظر المبسوط للسرخسي 25/ 70 والأم للإمام الشافعي 3/ 193
[2] أي ما يتسامح الناس فيه من الغبن في البيع والشراء، وقد اختلف الفقهاء في مقداره فقال الإمام الشافعي: المرجع في حده العرف، وليس له حد مقدر. وقال الإمام مالك: حد الغبن في البيوع الثلث فصاعدا. وقال الإمام أبو حنيفة: حد الغبن نصف العشر فصاعدا. ولكل دليله. انظر الحاوي الكبير للماوردي 6/ 540.
[3] الحاوي الكبير 6/ 539 وانظر المبسوط للسرخسي 25/ 156
[4] القواعد لابن رجب ص 43.
[5] انظر الأول من كتاب القواعد الفقهية على مذهب الإمام أحمد لابن قاضي الجبل الحنبلي، تحقيق صفوت عادل عبد الهادي، دار النور ص 98.