الجائزة جائزة أبدًا يفسخها العاقد حينما يشاء, بل راعت ظروف المتعاقدين, وأثبتت خيار الفسخ للطرف المتضرر منهما عند وجود أعذار لا يتأتى تنفيذ العقد معه إلا بتحمل ضرر لم يحتمله العاقد بموجب العقد, وحكمت بفسخ العقد تلقائيًا عند تعذر إمضائه, كما قررت أن"التفاسخ في العقود الجائزة متى تضمن ضررا على أحد المتعاقدين أو غيرهما ممن له تعلق بالعقد لم يجز ولم ينفذ إلا أن يمكن استدراك الضرر بضمان أو نحوه فيجوز على ذلك الوجه" [1]
ومما لا شك فيه أن العقد الذي يعقد وفقا لنظامه الشرعي يكون ملزما لعاقديه قضاءً, عملا بقوله جل ثناؤه في كتابه العزيز: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] , هذا هو الوضع الطبيعي في العقود اللازمة؛"لأن العقود أسباب لتحصيل المقاصد من الأعيان , و الأصل ترتب المسببات على أسبابها" [2] , لكن هذه العقود قد يطرأ عليها من الأحوال والظروف والأعذار ما يجعل في بقاء العقد ضررًا بأحد العاقدين - أو كليهما-؛ فعندئذ أثبت الشارع الحكيم خيار الفسخ دفعًا للضرر عنه.
وهذه القاعدة وإن لم تشتهر بلفظها, إلا أن معناها ومضمونها متفق عليه - في مجمله - بين الفقهاء , لكن وقع الخلاف بينهم في بعض المسائل, وعلى رأس هذه المسائل اختلافهم في عقد الإجارة والمزارعة والمساقاة, هل يثبت حق الفسخ فيها بالأعذار الخاصة أو لا؟
فذهب الحنفية , و الزيدية إلى أن الإجارة - وكذلك المزارعة والمساقاة - تفسخ بالأعذار الظاهرة [3] "مثل أن يستأجر جملا لحج ثم يبدو له العدول عن"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] قواعد الفقه لابن رجب ص 100.
[2] الفروق للقرافي 3/ 269.
[3] والضابط في ذلك عندهم: أن كل عذر لا يمكن معه استيفاء المعقود عليه إلا بضرر يلحق العاقد في نفسه أو ماله يُثبت له حق الفسخ. و عرفوا العذر بأنه عجز العاقد عن المضي في موجب العقد إلا بتحمل ضرر زائد لم يُستحق بالعقد. وإذا تحقق العذر فهل ينفسخ بنفسه أو يحتاج إلى الفسخ؟ اختلفوا في ذلك على قولين. انظر: الهداية للمرغيناني 3/ 250؛ العناية للبابرتي 12/ 471؛ نظرية المنفعة في الفقه الإسلامي، للدكتور تيسير محمد بورمو (ص 135) - دار النوادر - الطبعة الأولى - 1429.