فهرس الكتاب

الصفحة 4101 من 19081

النهي للكراهة, وإذا كان كبيرًا حرم تعاطي أسبابه.

وهذه القاعدة التي انبثقت من أصل حرمة النفوس في جميع الشرائع السماوية, واتفق الفقهاء على اعتبارها من حيث الجملة, هي حلقة في سلسلة القواعد التي وضعها أهل العلم لصيانة النفس من أي اعتداء عليها وإضرار بها, ومنها القاعدة الأخرى"حفظ النفوس واجب ما أمكن"إلا أن القاعدة المذكورة خاصة بحفظ النفوس من الهلاك أو الإهلاك, كما أنها تعم جميع النفوس المعصومة, أما القاعدة التي بين أيدينا فإنها تعم جميع أنواع الضرر الذي يؤدي إلى هلاك النفس, أو إلى ضرر دونه, ثم هي خاصة بالنهي عن إلحاق العبد الضرر بنفسه هو.

وقد سبقت الإشارة إلى أن المراد بالضرر هنا هو الضرر المحض الذي يخلو عن أي مصلحة دنيوية أو أخروية, فأما إن كانت ثمة مصلحة دنيوية جاز تحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى, أو تحصيل أعلى المصلحتين بتفويت أدناهما, وكذلك إذا كانت هناك مصلحة أخروية جاز تحمل الضرر في سبيلها ولذلك قالوا إن:"التغرير بالأرواح في إعزاز الدين جائز" [1] , وجاز"لمن خشي التلف جوعًا أو عطشًا إيثار غيره" [2] .

هذا من جانب, ومن جانب آخر فإن دفع الضرر عن النفس, أو النهي عن إلحاق المضرة بها مقيد بما إذا لم يكن في ذلك ضرر على شخص آخر مثله, وإلا لم يجز, فليس للمضطر إلى إحياء نفسه وسد رمقه أن يأخذ مال غيره جبرًا إذا كان حالهما من حيث الاضطرار سواء؛ لأن"الضرر لا يزال بالضرر" [3] و"إنما يجوز للإنسان دفع الضرر عن نفسه على وجه لا يضر بغيره"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] قواعد الأحكام 1/ 137.

[2] البحر الزخار لابن المرتضى 6/ 268. وانظر أيضًا: المنثور في القواعد للزركشي 1/ 211.

[3] أشباه السيوطي ص 86.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت