ومعنى الانتصاف من الظالم أخذ الحق منه, يقال: انتصف منه أي استوفى حقه منه كاملا حتى صار كل على النَّصَف سواء, والنَّصَفُ والنَّصَفَةُ والإنْصاف إعطاء الحق [1]
فمعنى القاعدة أن الظلم لقبحه ولحرمته لا يجوز إيقاعه على أي أحد حتى ولو كان ظالما, فليس ظلم الظالم بمزيل لحقوقه الواجب المحافظة عليها واحترامها, وسواء في ذلك أكان المريد لظلم هذا الظالم هو المظلوم الذي وقع عليه الظلم, أو كان غيره, ولكن الواجب هو أخذ الحق من الظالم وبذله للمظلوم من غير زيادة عليه, ولا يحق للمظلوم أن يطالب ظالمَه بأكثر مما يستحقه منه, وإلا كان ظالما له.
فالمنع من ظلم الظالم ليس فيه انحياز له أو معاونة له على البقاء على ظلمه, كما قد يتوهم متوهم أو يظن ظانّ, وإنما فيه إقامة العدل الذي قامت عليه السموات والأرض, فقد وضعت الشريعة عقوبات للظلم وبينت كيفية التعامل مع ظلم الظالم في حدود معاقبته وأخذ الحق منه من دون زيادة على ذلك تحقيقا لذلك العدل الذي ارتكزت عليه في تقريرها للعقوبات وغيرها, ولا أدل على ذلك من قوله تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا} [المائدة: 2] , وقوله: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] فبغض هؤلاء الظالمين بسبب أفعالهم الآثمة الظالمة - ومن أعظمها صد المسلمين عن المسجد الحرام - لم يكن سببا في الخروج عن مقتضى العدل والوقوع في الظلم والاعتداء بتشريع شيء يوافق ذلك, كما أن المفسرين يذكرون في سبب نزول قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ} [النحل: 126] أن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: لسان العرب، القاموس المحيط: مادة (ن ص ف)