فهرس الكتاب

الصفحة 4147 من 19081

رسول الله صلى الله عليه وسلم و أصحابه أقسموا حين فعل المُشركون يوم أُحد ما فعلوا بقتلى المسلمين من التمثيل بهم أن يجاوزوا فعلهم في المُثْلة بهم إنْ رُزقوا الظفر عليهم يومًا, فنهاهم الله عن ذلك بهذه الآية وأمرهم أن يقتصروا في التمثيل بهم - إن هم ظفروا - على مثل الذي كان منهم [1] ولاشك أن هذا إرساء لهذا المبدأ الذي سيقت القاعدة من أجل تقريره.

ومنع الغير من أن يَظلم الظالمَ يدخل فيه - كما سبق تقريره - منع المظلوم من ظلم هذا الظالم, وتأكيد هذا المعنى يرجع إلى دفع شبهة قد تتعلق بها النفوس, وهي الميل إلى جانب المظلوم والتعاطف معه بسبب ما تَحمّله من ظلم الظالم, ولكن الانتصاف له من ظالمه - وهو الواجب في هذا المقام - لا يشترط له كي يحصل أن نوقع على الظالم ظلما, بل يكفي تماما أن يأخذ المظلوم حقه من ظالمه وأن يُعاقب الظالمُ بالعقوبة التي قررها الشرع لتحقيق هذا الانتصاف, والتعاطف مع المظلوم إنما كان بسبب وقوع الظلم - هذا الأمر البغيض - عليه, فلا يجوز بحال الوقوع فيه من أجل هذا التعاطف, والقاعدة بهذا تلتقي مع القاعدة الأخرى:"المظلوم لا يظلم غيره"إذ هذا الغير يصدق على ظالمه وعلى غير ظالمه, فتكون هذه القاعدة أعم من قاعدتنا من هذه الجهة, كما أن قاعدتنا أعم من جهة أن الظالم لا يجوز إيقاع الظلم عليه من المظلوم ومن غيره أيضا, وبذلك تكون العلاقة بين القاعدتين علاقة العموم والخصوص الوجهي.

والقاعدة متفقة مع الأصول العامة القاضية بتحريم الظلم والمنع منه والأمر بإزالته, ولذلك لا يعرف لها مخالف من أحد, ولا يتصور الخلاف فيها من أجل انضوائها تحت قطعي من قطعيات الشريعة وهو تحريم الظلم, غير أن هناك خلافا بين العلماء في بعض الصور هل تعدّ من قبيل الظلم أم لا, كما أن عند

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر: تفسير الطبري 17/ 322.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت