ومعنى القاعدة: أن العرف الذي يحمل عليه اللفظ في النذر أو اليمين أو الطلاق أو العقود أو غير ذلك من الالتزامات والتصرفات إنما هو ما كان قائمًا عند إنشاء التصرف, وذلك بأن يكون حدوثه سابقًا على وقت التصرف, ثم يستمر إلى زمانه فيقارنه, فخرج بهذا الشرط أمران [1] :
الأول: ما إذا كان العرف طارئًا على التصرف وحادثًا بعده.
الثاني: ما إذا كان سابقًا على التصرف, وتغير قبل إنشائه؛ فإنه لا يصح حمله عليه؛ لأن كل من يتكلم بكلام إنما يتكلم بحسب ما جرى به العرف القائم, فلا عبرة بالعرف الطارئ بعد النطق, ولا بالذي تغير وانقرض, ولا يقضى به عليه؛ لأننا لو ألزمناه بعرف غير قائم وقت كلامه لألزمناه بما لم يلتزم, قال الإمام القرافي:"العوائد الطارئة بعد النطق لا يقضى بها على النطق, فإن النطق سالم عن معارضتها, ونظيره: إذا وقع العقد في البيع فإن الثمن يحمل على العادة الحاضرة في النقد, وما يطرأ بعد ذلك من العوائد في النقود لا عبرة به في هذا البيع المتقدم, وكذلك النذر والإقرار والوصية إذا تأخرت العوائد عليها لا تعتبر, وإنما يعتبر من العوائد ما كان مقارنًا لها" [2] .
وهذه القاعدة خاصة بالصيغ الإنشائية, ومقيدة بها, دون غيرها؛ كما نص على ذلك الزركشي والحموي بقولهما:"العادة إنما تقيد اللفظ المطلق إذا تعلق بإنشاء أمر في الحال, دون ما يقع إخبارًا عن متقدم فلا يقيده العرف المتأخر" [3] , وعليه فلا تنطبق هذه القاعدة على الإقرار والدعاوى, وذلك لأن الدعوى والإقرار إخبار عن وجوب سابق, فلا يقيده العرف المتأخر [4] , فلو أقر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: العرف والعادة لأبي سنة ص 65.
[2] شرح تنقيح الفصول للقرافي ص 166 ط، دار الفكر 1424 هـ.
[3] المنثور للزركشي 2/ 364، غمز عيون البصائر للحموي 1/ 312.
[4] انظر: الأشباه لابن نجيم مع غمز عيون البصائر 1/ 312، المنثور 2/ 364، الأشباه للسيوطي ص 96، الفتاوى الفقهية الكبرى للهيتمي 2/ 183.