فهرس الكتاب
وذلك لأنه"لو بقي الحكم على ما كان عليه أولًا للزم منه المشقة, والضرر بالناس, ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير, ودفع الضرر والفساد؛ لبقاء العالم على أتم نظام, وأحسن إحكام" [1] .
وهذا ما قرره الإمام القرافي بقوله:"الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها كيفما دارت, وتبطل معها إذا بطلت كالنقود في المعاملات, والعيوب في العروض المبيعات, فلو تغيرت العادة في النقدين والسكة إلى سكة أخرى, لحمل الثمن في البيع عند الإطلاق على السكة التي تجددت العادة بها دون ما قبلها, وكذلك إذا كان الشيء عيبًا في الثياب في العادة رددنا به البيع, فإذا تغيرت تلك العادة وصار ذلك المكروه محبوبًا, موجبًا لزيادة الثمن, لم تُرد به, وبهذا القانون تعتبر جميع الأحكام المترتبة على العوائد, و تراعى الفتاوى على طول الأيام؛ فمهما تجدد العرف اعتبره, ومهما سقط أسقطه, ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك, بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك فلا تجره على عرف بلدك, واسأله عن عرف بلده, وأفته به, دون عرف بلدك, والمقرر في كتبك, فهذا هو الحق الواضح. والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين, وجهل بمقاصد علماء المسلمين, والسلف الماضيين" [2] .
وأكده ابن القيم بقوله:"وهذا محض الفقه, فمن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب, على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم, فقد ضل وأضل, وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم, بما في كتاب من كتب الطب" [3] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف لابن عابدين، المطبوع ضمن رسائل ابن عابدين 2/ 125.
[2] الفروق للقرافي 1/ 176 - 177 بتصرف يسير.
[3] إعلام الموقعين لابن القيم 3/ 66.