و مجال هذه القاعدة إنما هو الأحكام الاجتهادية التي يكون العرف والعادة مناطًا للحكم الشرعي فيها دون غيرها [1] , وهي على قسمين:
الأول: أحكام مصدرها الاجتهاد, ولا نص فيها, فهي مستنبطة بطريق القياس أو المصلحة المرسلة, ومبنية على العرف والعادة؛ كالأحكام المبنية على ما يتعارفه الناس من وسائل التعبير وأساليب الخطاب, وما يتواضعون عليه من الأعمال والشؤون المخلة بالمروءات والآداب, وما يعتادونه مما لا حكم شرعيًا فيه من شؤون المعاملات, كعادة قبض الصداق قبل الدخول في النكاح.
الثاني: أحكام وردت بها النصوص الشرعية مطلقة, من غير تقدير بمقدار أو عدد أو تحديد بزمن أو صفة, كالقبض, والتراضي, والبيع, ونحوها؛ فمرد ذلك إلى الاجتهاد, والمحكَّم في تحديد مقاديرها وضبط صفاتها هو العرف والعادة, كما نصت عليه القاعدة:"ما ورد به الشرع مطلقًا وليس له حد في الشرع ولا اللغة يرجع فيه إلى العرف والعادة" [2] , فإذا تغيرت العادة تغير الحكم بناء عليها [3] . وهذا التغير إنما هو من باب دوران الأحكام مع مناطاتها, فأينما وجدت العلة وتحقق المناط في الحادثة وجد الحكم, وأينما انتفت العلة, ولم يتحقق المناط, انتفى الحكم, وليس ذلك تغييرًا لحقيقة الحكم وجوهره [4] .
أما الأحكام القطعية, المبنية على النصوص الشرعية التي لا مجال للاجتهاد فيها, كأصول الدين, والمبادئ العامة للشريعة, والأحكام التعبدية, والمقدرات الشرعية, وأصول الفرائض, وأصول المحرمات, ونحوها من الأحكام التي بينها الشارع وأكملها أصولًا وفروعًا, فهي غير قابلة للتغيير
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: إغاثة اللهفان لابن القيم 1/ 330 - 331.
[2] تكملة المجموع للسبكي 10/ 220.
[3] انظر: المدخل الفقهي العام للزرقا 2/ 908.
[4] انظر: ضوابط المصلحة للبوطي ص 247.