ومن ذلك عند الحنابلة ما ذكره ابن قدامة -رحمه الله- في شركة العنان:"ويجوز لكل واحد منهما أن يبيع ويشتري مساومة ومرابحة وتولية ومواضعة, وكيف رأى المصلحة؛ لأن هذا عادة التجار". [1]
ولا تقتصر هذه القاعدة على العمل بالعرف في الأمور التجارية على ما يجري بين التجار فقط؛ بل كل عمل هو من نوع التجارة إذا سُكت فيه عن ذكر شرط فالمرجع في ذلك العرف الجاري بين أهله. فلو كان رجلان يعملان بالزراعة وضارب أحدهما الآخر ودفع له نقدا ليبيع ويشتري, أو عقَدَا شركة عنان أو غيرها, فللمضارب أو الشريك عند عدم التقييد بشيء التصرف في المال من إدانة أو سفر به أو استئجار على حسب المعروف بين التجار؛ لأن الشركة من أعمال التجارة فتنعقد على عادة التجار, وهذه الأمور من عاداتهم. كذلك الشركة لما كانت من أعمال التجارة ويشترط فيها أن يكون رأس المال من النقود ولا يصح أن يكون عروضا, فغير المسكوك من الذهب والفضة إن جرى العرف باستعماله كالنقود يصح أن يكون رأس مال في الشركة, وإلا فيكون في حكم العروض فلا يصح. [2] كذلك إذا كان لطائفة أخرى من الناس عرفٌ خاص بهم فإنه يحكم فيها لا في طائفة أخرى, كالعمال وأرباب الصنائع والحرف.
وقد استجدت مسائل وقضايا تجارية كثيرة تجلى فيها أثر العرف, فكثير من المسائل الناشئة عن التعامل في البنوك مبنية على العرف العالمي السائد بدون نزاع مثل عمليات بيع وشراء النقود, أو مبادلة العملات المحلية بعملات أجنبية, والتعامل بالأوراق التجارية كالشيك والسند الإذني وغيره, كما أن للأعراف الدولية غير المعارضة للشريعة تأثيرا ملحوظا في قبول بعض المعاملات المختلف فيها بين العلماء قديما, مثل بيع العربون, فهو جائز في المذهب الحنبلي وخاضع للشروط والالتزامات, وفي نفس الوقت متبع في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المغني لابن قدامة 5/ 13.
[2] انظر شرح المجلة للأتاسي 1/ 102.