والقيام والعقود, فإنه يصح أن يقال: سكن في الدار يوما, وقعد في مكان كذا يوما, وقام يوما. وكل فعل لا يصح قرار المدة به فهو مما لا يمتد, كالدخول والخروج. فلا يقال: خرج من الدار يوما, ودخل في الدار يوما, بمعنى التوقيت. وكذا لا يقال لمن هو داخل الدار ادخل هذه الدار ولا تدخل. [1]
وهذه القاعدة متفرعة على القاعدة الخلافية الكبيرة"الدوام على الشيء هل هو كابتدائه أم لا؟" [2] , وهي قاعدة مختلف فيها عند الفقهاء, والخلاف فيها ناشئ عن الخلاف في أصلها. وهي تظهر استواء الحكم في حالة الابتداء وحالة الدوام. وهي كما يبدو من صيغها المختارة من قواعد الحنفية, وقد عللوا بها كثيرا من الفروع الفقهية, ولم أجد لها ذكرا بنصها أو معناها عند سائر المذاهب, لكنهم وافقوا الحنفية على بعض الفروع التي ذكروها للقاعدة, وخالفوهم في أخرى.
فعند الحنفية: لدوام اللبس والركوب والسكنى مثلا حكم الابتداء. فلو حلف لا يلبس هذا الثوب وهو لابسه, أو لا يركب هذه الدابة وهو راكبها, أو لا يسكن هذه الدار وهو ساكنها, واستمر على ما كان حنث؛ لأن لهذه الأفعال دواما بحدوث أمثالها. [3] ولو قال لامرأته: أنت طالق إن قعدت, وهي قاعدة, أو: إن قمت, وهي قائمة, أو إن مشيت, وهي ماشية, فمكثت كذلك مدة من الزمن, يحنث, بخلاف ما لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار, وهي في الدار فمكثت كذلك, لم تطلق حتى تخرج وتدخل؛ لأن الدخول فعل غير ممتد, فإنه انفصال من الخارج إلى الداخل. والخروج نظير الدخول لأنه انفصال من الداخل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: المحيط البرهاني لابن مازة 5/ 79، تبيين الحقائق للزيلعي مع حاشية الشلبي 3/ 119.
[2] إيضاح المسالك للونشريسي ص 68 قاعدة 13، المعيار المعرب له 9/ 191، وانظر القواعد للمقري 1/ 179، شرح اليواقيت الثمينة للسجلماسي 1/ 211، الإسعاف بالطلب للتواتي ص 57، إعداد المهج للشيخ أحمد بن المختار الشنقيطي ص 63، الذخيرة للقرافي 4/ 53.
[3] انظر: تبيين الحقائق للزيلعي 3/ 119.