فهرس الكتاب

الصفحة 4729 من 19081

هذه القاعدة التي اتفق الفقهاء عليها - في الجملة - هي من القواعد المشتركة بين الفقه ومقاصد الشريعة؛ لأنها تعبر عن مقصد من أعظم مقاصد الشريعة, ومصلحة من المصالح الضرورية الخمس التي لم يتفق عليها فقهاء المذاهب فحسب, بل أجمعت عليها جميع الملل والأديان السماوية السابقة, وكما يقول الإمام الشاطبي - رحمه الله تعالى:"فقد اتفقت الأمة, بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس, وهي: الدين والنفس والنسل والمال والعقل, وعلمها عند الأمة كالضروري, ولم يثبت لنا ذلك بدليل معين, ولا شهد لنا أصل معين يمتاز برجوعها إليه بل علمت ملاءمتها للشريعة بمجموع أدلة لا تنحصر في باب واحد" [1] .

ولقد عنيت الشريعة الإسلامية بالنفس عناية فائقة, وتحتل ضرورة المحافظة على النفس المرتبة الثانية - بعد الدين - ضمن المصالح الضرورية الخمس التي جاءت الشريعة للحفاظ عليها, ومن هنا فقد أحاطتها بسياج محكم من الأحكام التي تكفل حفظها من التعدي عليها بأقصى درجة ممكنة, كما شرعت من الأحكام ما تكفل وجودها وبقاءها, بتحصيل مصالحها ودرء المفاسد عنها. وهذه العناية بالنفس الآدمية تبدأ من حين أن يكون جنينًا في بطن أمه إلى أن يموت, بل تمتد حتى إلى ما بعد الموت. ومن الوسائل التي وضعتها الشريعة لحفظ النفس:

1 -تحريم الاعتداء عليها, فلا يجوز لأحد أن يعتدي على نفسه هو, ولا على نفس غيره إلا بحقها. قال الإمام مالك - رحمه الله تعالى:"لا ينبغي لمسلم أن يهريق دمه إلا في حق, ولا يهريق دمًا إلا بحق" [2] .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الموافقات للشاطبي 1/ 38. وانظر أيضًا: الإحكام للآمدي 3/ 300؛ التقرير والتحبير في شرح التحرير لابن أمير حاج 3/ 191؛ مواهب الجليل للحطاب 6/ 231.

[2] نظرية الضرورة للزحيلي ص 288، نقلًا عن اختلاف الفقهاء للطبري ص 195.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت