فهرس الكتاب
ولا يبنى الحكم عليه وحده, بل يعتبر الجميع كلامًا واحدًا, ويكون الحكم بآخر الكلام, فمثلًا: من قال لزوجته: أنت طالق إن دخلت الدار, كانت الجملتان - أنت طالق, وإن دخلت الدار - في حكم كلام واحد لا يتم الكلام إلا بهما, فلا يقع الطلاق حتى تدخل الدار. فقوله: أنت طالق كلام مستقل, لم يفتقر إلى غيره في إفادة الحكم, لكن لما لحق به الشرط: إن دخلت الدار - وهو كلام غير مستقل بنفسه - لغا اعتبار اللفظ الأول على سبيل الاستقلال, وتوقف على وجود الشرط المذكور [1] , أو بعبارة أخرى: إن جواب الشرط كلام غير مستقل بنفسه فيبنى على غيره.
وقد اتفق الفقهاء - في الجملة - على أن الكلام إذا اتصل به لفظ مما لا يستقل بنفسه من المخصصات اللفظية المذكورة فإنه يغير موجب الكلام المستقل, ويتوقف حكم أوله على آخره, لكن يبدو من تتبع الفروع الفقهية عند الحنفية أنهم توسعوا في مغيرات موجب الكلام, واعتبروا كل ما يغير حكم الكلام الأول ومقتضاه بمثابة هذه المخصصات اللفظية [2] فقالوا - مثلا-:"إذا زوجه الفضولي أختين في عقدين فقال: أجزت نكاح هذه وهذه يفسدان [لحرمة الجمع بين الأختين] , لأنه توقف أوله على آخره بوجود المغير في آخره وإن كان بحرف العطف" [3] . قال الإمام البزدوي - رحمه الله تعالى - في توجيه هذه المسألة:"فأما في نكاح الأختين فإن صدر الكلام توقف على آخره لا لاقتضاء واو العطف لكن لأن صدر الكلام وضع لجواز النكاح وإذا اتصل به آخره سلب عنه الجواز, فصار آخره في حق أوله بمنزلة الشرط والاستثناء في قول الرجل: أنت طالق إن شاء الله" [4] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] وانظر أمثلة سائر المخصصات في المصدر السابق 1/ 206.
[2] مع أن الأصل عندهم أن البيان المغير هو الشرط والاستثناء.
[3] فتح القدير 7/ 111.
[4] أصول البزدوي ص 93. وانظر شرحه: كشف الأسرار 2/ 174. وراجع أيضًا المبسوط 28/ 37.