فأما الاستدلال بأن دلالة الحال تصرف الكلام عن حقيقته وموضوعه, فقد قال الشافعي: إن الأسباب متقدمة والأيمان بعدها محدَثة, وقد يخرج على مثالها, وعلى خلافها ..."إلخ. [1] ."
وقال الزركشي -رحمه الله تعالى:"الصريح يعمل بنفسه ولا يقبل إرادة غيره به والمحتمل يرجع فيه إلى إرادة اللافظ" [2] .
وإذا كانت الملابسات والقرائن الفعلية تجعل الكناية كالصريح في إفادة المعنى, فمن باب الأولى أن تصير الكناية كالصريح عند اقترانها بقرائن لفظية, ومن هنا قالوا: إن الكناية"إذا قرن بها لفظ من ألفاظ الصريح أو حكم من أحكام العقد كانت صريحة" [3] كما قالوا في (الوقف) : إنه ينعقد بالكناية - كتصدقت, أو حرمت, أو أبَّدت - إذا قرن بها لفظ من ألفاظ الصريح: كأن يقول: تصدقت صدقة موقوفة, أو اقترن بها حكم من أحكام الوقف, كأن يقول: تصدقت صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الحاوي الكبير للماوردي 10/ 155. وانظر أيضًا: مجموع الفتاوى لابن تيمية 29/ 12، 32/ 15؛ الفتاوى الكبرى لابن تيمية أيضًا 3/ 409؛ إعلام الموقعين لابن القيم 2/ 23 - 24. ومما يدل على عدم اعتبار الشافعية لدلالة الحال أيضًا منعهم البيع بالمعاطاة. ومن ذلك أيضًا ما ذكره الزركشي في المنثور (2/ 216) :"لو قالت: طلقني بألف فقال: طلقتك وقال: قصدت الابتداء دون الجواب، قبل، وكان رجعيا، قطع به الرافعي، لكن يذكر عن فتاوى القفال فيما لو قالت له زوجته واسمها فاطمة، فقال: طلقت فاطمة ثم قال: نويت فاطمة أخرى، طلقت، ولا يقبل قوله؛ لدلالة الحال، بخلاف ما لو قال ابتداء: طلقت فاطمة ثم قال: نويت فاطمة أخرى". وفتوى القفال ذكرها أيضًا النووي مقتصرًا عليها ثم عقب عليها بقوله:"وقد يشكل هذا بما سبق أن السؤال لا يلحق الكناية بالصريح"روضة الطالبين 8/ 35. كما أن الرافعي نقل فتاوى القفال هذه، ثم ذكر بعده ما حاصله ترجيح عدم الوقوع إلا إذا أراد زوجته. أفاده الإسنوي في التمهيد ص 475. فكلام النووي هذا، وكذا كلام الرافعي، يدل على عدم اعتبار دلالة الحال، والله تعالى أعلم.
[2] المنثور للزركشي 3/ 118. وانظر أيضًا: الأم للإمام الشافعي 7/ 297.
[3] مجموع الفتاوى لابن تيمية 32/ 16، وانظر أيضا ً: المنثور للزركشي 3/ 102؛ أشباه السيوطي ص 497.