فهرس الكتاب

الصفحة 4848 من 19081

لطيفة من الله سبحانه منّ بها على الخليقة, وذلك أن الكفار يقتحمون الكفر والجرائم, ويرتكبون المعاصي والمآثم, فلو كان ذلك يوجب مؤاخذتهم لما استدركوا أبدًا توبة, ولا نالتهم مغفرة. فيسَّر الله تعالى عليهم قبول التوبة عند الإنابة, وبذل المغفرة بالإسلام, وهدم جميع ما تقدم, ليكون ذلك أقرب لدخولهم في الدين, وأدعى إلى قبولهم لكلمة المسلمين, ولو علموا أنهم يؤاخذون لما تابوا ولا أسلموا" [1] ."

وقد اتفق الفقهاء على أن حقوق الله تعالى تسقط كلها بالإسلام, فلا يطالب بأداء شيء من الواجبات, من الصلاة والزكاة والصيام وغيرها, ولا يعاقب على شيء ارتكبه من المعاصي.

أما حقوق العباد فلا تسقط بالإسلام إجماعًا [2] , ولذلك قيَّد الفقهاء القاعدة بقولهم:"الإسلام يجب ما قبله في حقوق الله, دون ما تعلق به حق آدمي" [3] ؛ إذ لو شمل الهدمُ هذه الحقوق لترتبت على ذلك أضرار ومفاسد بالآخرين, وفي ذلك من الحرج والضرر ما فيه, وليس من عدل الله - تعالى - ورحمته أن يرفع الحرج عن شخص بإلقائه على كاهل شخص آخر [4] , ولأجل ذلك ألزم الشارع المجنون والصبي وأمثالهما بالغرامات والضمانات التي تلزمهم لما يلحقونه بممتلكات الآخرين وأبدانهم. والفرق بين الحقين كما يقول ابن العربي:"أن حق الله يستغنى عنه, وحق الآدمي يفتقر إليه؛ ألا ترى أن حقوق"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] أحكام القرآن لابن العربي 2/ 398.

[2] انظر: فيض القدير للمناوي 3/ 180، مرقاة المفاتيح للملا علي قاري 1/ 179، شرح البهجة الوردية لزكريا الأنصاري 1/ 156.

[3] الأشباه والنظائر للسيوطي ص 255. وانظر: المنثور للزركشي 1/ 161، الأشباه لابن نجيم مع غمز عيون البصائر للحموي 3/ 402، مجمع الضمانات لابن غانم البغدادي ص 455، تنقيح الفتاوى الحامدية لابن عابدين 2/ 257، شرح منتهى الإرادات للبهوتي 3/ 384، القواعد لمحمد كاظم المصطفوي ص 40.

[4] انظر: رفع الحرج للباحسين ص 471.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت