بعينه فحكمهما التوقف ... حتى يتبين الحرام" [1] , وقوله:"وقد علمنا أن من لم يجتنب المتشابه وهو الذي لا بأس به, فليس من أهل الورع, وأهل الورع هم المتقون؛ لأن المتقين جمع متق والمتقي الخائف ومن خاف مواقعة الحرام فهو الخائف حقا, فنحن نحض الناس على الورع كما حضهم النبي صلى الله عليه وسلم ونندبهم إليه ونشير عليه باجتناب ما حاك في النفس, ولا نقضي بذلك على أحد ولا نفتيه به فتيا إلزام كما لم يقض بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم على أحد" [2] وعنه أيضا في المحلى أنه قال:"إن من جهل - أحرام هذا الشيء أم حلال؟ فالورع له أن يمسك عنه, ومن جهل أفرض هو أم غير فرض؟ فحكمه أن لا يوجبه, ومن جهل أوجب الحد أم لم يجب؟ ففرضه أن لا يقيمه" [3] ."
وبهذا يتضح أن الاحتياط لدى الفقهاء أحد المرجحات عند الالتباس أو الاشتباه, سواء كان الاحتياط من باب ما يندب إليه, وهو ما يعبر عنه بالورع, كاجتناب كل مفسدة موهمة وفعل كل مصلحة موهمة, أو كان من باب الاحتياط الواجب لكونه وسيلة إلى تحصيل ما تحقق تحريمه, كما إذا دارت المفسدة بين الكراهة والتحريم فالاحتياط حملها على التحريم, فإن كانت مفسدة التحريم محققة, فقد فاز باجتنابها, وإن كانت منفية فقد اندفعت مفسدة المكروه, وأثيب على قصد اجتناب المحرم, فإن اجتناب المحرم أفضل من اجتناب المكروه, كما أن فعل الواجب أفضل من فعل المندوب [4] , فالاحتياط يقتضي حمل الشيء على أعظم مراتبه, وهذا يتضمن دفع ضرر الخوف عن النفس بالكلية [5] , ومجال إعمال هذه القاعدة واسع فهي تشمل العبادات والمعاملات بأوسع مدلولاتها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الإحكام لابن حزم 6/ 191.
[2] انظر: الإحكام لابن حزم 6/ 184.
[3] المحلى لابن حزم 12/ 60. وانظر قريبًا منه في الدراري المضية للشوكاني 1/ 20.
[4] انظر: قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 2/ 19.
[5] المحصول للرازي 3/ 356، إرشاد الفحول إلي تحقيق الحق من علم الأصول للشوكاني ص 75.