مثل الدماء والفروج والعبادات والصيد والذبائح والربا وأشباهها [1] , وهذا على خلاف الأصل المستقر للتعامل مع الشبهات؛ ذلك أن الأصل أن الشبهة غير معتدّ بها ولا أثر لها في الأحكام, وإذا وجدت تعامل الفقيه معها بالإهمال لها وعدم الالتفات إليها؛ لأنها لا ترقى إلى درجة الاعتبار, غير أن تلك الأبواب يخالف حكمها هذا الأصل العام فيعمل بالشبهة فيها, وتنزل في مسائلها منزلةَ الحقيقة الثابتة.
ولاشك أن عمل الشبهة عمل الحقيقة في هذه الأبواب يعكس مدى حرص الشارع على المحافظة عليها أن يقع المكلفُ فيها أو ينتهك حرمتها, ومن المقرر أن الشرع يحتاط في الخروج من الحرمة إلى الإباحة أكثر من الخروج من الإباحة إلى الحرمة.
والشبهة تنشأ عن الشك, وهذا معلوم, لكن عبر كثير من الفقهاء وبخاصة فقهاء الحنفية عن الشبهة مستعملين مادة (الوهم) كما في قول بعضهم:"الموهوم فيما يبنى على الاحتياط كالمتحقق"وقول آخرين:"ما هو موهوم الوجود يجعل كالمتحقّق فيما بني أمره على الاحتياط"وقول البعض:"المتوهم في الربا كالمتحقق"وغيرها من العبارات, ومن المعلوم أن الوهم - الذي هو الاحتمال العقلي البعيد النادر الحصول [2] - لا ينتهض لأن يكون شبهة, وقد نبه على ذلك الغزالي, رحمه الله , فذكر أن الشبهة إنما تنشأ عن الشك الذي هو عبارة عن اعتقادين متقابلين نشآ عن سببين, بينما الوهم نشأ لا عن سبب, بل هو تجويز بغير سبب [3] , والذي يظهر أنهم لم يريدوا المعنى الاصطلاحي المعروف للوهم, وإنما أرادوا الأمر المحتمل المشكوك في حصوله, وإلا فإن من القواعد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: الاحتياط لإلياس بلكا ص 478، وموسوعة القواعد الفقهية للبورنو 6/ 60.
[2] انظر: المدخل الفقهي العام للزرقا 2/ 987.
[3] انظر: إحياء علوم الدين للإمام الغزالي 2/ 99، وقريب من هذا ما ذكره الحطاب في مواهب الجليل 1/ 240.