فإننا نجد كثيرا مَن يدعي ما ليس له وهو في ذلك كاذب, كأن يدعي دَيْنا له على آخر مثلا, ولا نكاد نجد من يلزم نفسه بما فيه ضرر عليها وهو كاذب, كأن يقر بأن لفلان عليه دَيْنا وذلك غير حاصل؛ ولذلك فإن الشريعة جاءت بطلب البينة فيما يدعيه الإنسان لنفسه؛ لتوفر التهمة في أن يدعي لنفسه ما ليس لها, ولم توجب ذلك على مَن أناط بنفسه ضررا بسبب من الأسباب؛ حيث لا يتهم في الإضرار بنفسه, وقد جاءت القاعدة التي بين أيدينا مبينة هذا الأمر الثاني ودالة عليه؛ وتعني أن التهمة لا ترِد على قول الإنسان إذا كان في اعتبار قوله إدخال ضرر على نفسه, لأن العاقل لا يقدم على ما فيه ضرر على نفسه كاذبا؛ فإذا نسب الإنسان لنفسه ما يدخل عليها ضررا صُدّق في هذا وقُبل قولُه, ولم يطالب بإقامة بينة على صدقه؛ اكتفاءً بالوازع الطبعي المركب فيه بعدم إدخال الضرر على نفسه بسبب إلا وهو صادق في الإخبار به, ولذلك كان إقرار الإنسان حجة عليه؛ يقول ابن قدامة , رحمه الله تعالى:"الإقرار إنما ثبت به المقَرّ به لوجود الداعي إلى الصدق وانتفاء التهمة عنه؛ فإن العاقل لا يتهم بقصد الإضرار بنفسه" [1] , ومن أجل هذا المعنى لم يُبحث عن عدالة المقِرّ من فسقه؛ يقول السيوطي , رحمه الله في حديثه عما يشترط فيه العدالة وما لا يشترط:"وأما المستغنَى عن العدالة فيه بالكلية لعدم الحاجة إليه, فكالإقرار؛ لأن طبع الإنسان يَزَعُه عن أن يقر على نفسه بما يقتضي قتلا أو قطعا أو تغريم مال, فقبل من البر والفاجر؛ اكتفاء بالوازع الطبيعي" [2]
وكما تجري القاعدة في اعتبار أقوال الإنسان التي تحمل ضررا عليه فإنها تجري أيضا في بعض تصرفاته التي تكون بتلك المثابة؛ فإذا دار الفعل بين أن يكون الإنسان قد فعله مدخلا الضرر به على نفسه وبين عدم ذلك استبعدنا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المغني لابن قدامة 9/ 63.
[2] الأشباه والنظائر للسيوطي ص 387.