الاحتمال الأول لمنافاته لذلك الوازع الجبلي, ولذلك كان اعتبار الميت قاتلا لنفسه خلافَ الأصل وكان هو الاحتمال الأبعد من أجل اعتبار معنى القاعدة السابق تقريره.
ومما يقرب من منع اتهام المرء في الإضرار بنفسه المنع من اتهامه بالإضرار بولده أو والده, ولذلك فإن مما له صلة بالقاعدة قولهم:"لا يتهم الإنسان بالإضرار بولده أو والده"وهذا في كثير من الأحيان وليس دائما؛ لأن إضرار الإنسان بولده أو والده يحصل أحيانا, كما أن القاعدة قد تتخلف أحيانا؛ فيدخل الإنسان على نفسه ضررا, وحقّه البراءة منه؛ توصلا منه لنيل غرض أو مأرب ما, كمن يقرّ بقتل أو سرقة أو غيرهما مما لم يفعله؛ تسترا منه على الفاعل الحقيقي؛ ليأخذ بذلك عوضا منه أو مراعاة له لظروف تخصه كأن يكون الفاعل أبا له مثلا أو ابنا, ولذلك فإن مراعاة هذه الصور وأشباهها واجب عند تطبيق القاعدة, خصوصا في أبواب الجرائم والعقوبات لأنها أكثر المجالات التي يتهم فيها الإنسان بفعل ذلك.
والإقرار هو أبرز صور القاعدة, وقد كثر عند الفقهاء استعمال ضابط خاص به هو أحد متفرعات القاعدة؛ حيث نصوا على أن"الإنسان لا يتهم في إقراره على نفسه", والقاعدة تدخل كذلك في باب الشهادات وفي باب نكول المدعَى عليه عن اليمين, وكذا في كل تصرف تنتفي التهمة فيه عن فاعله لذلك المعنى الذي تقرره القاعدة.
والقاعدة لا خلاف فيها بين الفقهاء؛ فقد ذكرتها المذاهب الفقهية المختلفة, كما يظهر من مصادر ورودها بصيغها المتنوعة, وأكثر من استعملها هم الحنفية , ويكفي تدليلا على اعتبار الفقهاء جميعا لها حصول الاتفاق على أعظم صورها وهو إقرار المرء على نفسه, كما سيأتي تقريره في فقرة أدلة القاعدة, إن شاء الله تعالى.