فهرس الكتاب

الصفحة 5075 من 19081

والتحري يقوم مقام الدليل الشرعي في تحقيق الأسباب الشرعية للأحكام وتحصيل ما تبرأ به الذمة, لأن المكلف أتى بما في وسعه, والتكليف بحسب الوسع, والذي في وسع المبتلى في المسائل التي تتقابل فيها مسالك الظنون مع فقد الدليل هو التحري [1] , وهو سائغ في الأقوال والأفعال جميعا [2] .

والقاعدة وإن كانت أطلقت أن الحكم هو التحري ولم تصرح بخصوص هذا الحكم هل هو الوجوب أم الاستحباب فإن التدقيق أن يقال إن الحكم الأصلي للتحري هو أنه جائز ما لم يتوقف على إعماله واجب شرعي فحينئذ يكون واجبا [3] ؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب [4]

والقول بالقاعدة وإعمالها ليس على إطلاقه, بل هو مرهون بعدة ضوابط وقيود لابد من تحقيقها لجواز إعمالها, ونستطيع إجمال هذه القيود فيما يلي:

1 ـ لا يجوز إعمال التحري إلا في موضع الشك, فإذا لم يشك لم يتحر, وإلا كان تحريه فاسدا لا يترتب عليه أثر, كما لو لم يشك في اتجاه القبلة ثم بدا له أن يتحرى فأداه اجتهاده إلى جهة أخرى, وقد نص الفقهاء على هذا القيد بقولهم:"التحري إنما يجب حالة الاشتباه" [5]

2 ـ أن يكون المكلف قادرا على التحري وإلا فلا,"والذي لا يمكنه التحري هو الذي قد عرف من نفسه أنه لا يفيده النظر في الأمارات ظنا عند عروض الشك له, وذلك يُعرف بأن يتحرى عند عروض الشك فلا يحصل له ظن, ويتفق له ذلك مرة بعد مرة, فإنه حينئذ"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر: المبسوط للسرخسي 1/ 122، مجمع الأنهر لشيخي زادة 2/ 509، التاج المذهب للعنسي 1/ 128.

[2] انظر: الإنصاف للمرداوي 2/ 149.

[3] انظر: التلويح على التوضيح للشيخ التفتازاني 2/ 302، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1/ 80، أسنى المطالب لزكريا الأنصاري 1/ 23.

[4] المستصفى للغزالي ص 217.

[5] المحيط البرهاني لبرهان الدين ابن مازة 5/ 304.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت