فهرس الكتاب

الصفحة 5083 من 19081

لهذه الكلية أثر بيّن في كثير من القواعد والضوابط الفقهية, وقاعدتنا هذه إحدى تلك القواعد التي ترجع إلى إعمال هذا الأصل الشرعي المطرد؛ ذلك أن الأصل في الآمِر الذي يُعتبر أمرُه - من موكل ومنيب وواقف وغيرهم - أن لا يُخالَف أمرُه, بل ينفُذ ويُحافظ على ما يشترط فيه من شروط إن كانت؛ ولذلك فإن الفقهاء يتكلمون على مخالفة المأمور في هذه الأبواب وأشباهها وما يترتب على هذه المخالفة من ضمان وغيره, لكن هذا الأصل تستثنى منه هذه القاعدة لمصلحة الآمر نفسه؛ فتجوز مخالفة أمره إذا كانت هذه المخالفة تحقق له مصلحة وتزيده خيرا, فلو أن رجلا وكّل آخر بشراء سلعة بثمن عيّنه له, فوجدها تباع بأقل منه, فإن من الخير البيّن والمصلحة الواضحة أن يخالف أمره في الشراء بالثمن المعين الذي حدده له ويشتري السلعة بأقل منه, بخلاف ما لو وجدها تباع بأكثر من ثمنها فإنه لا يجوز مخالفة أمره في ذلك.

وقد جاء في نص القاعدة المختار لفظة (بيقين) كقيد واجب الاعتبار في إعمال القاعدة والخروج عن الأصل المستقر السابق ذكره, ولذلك ينبغي حمل صيغ القاعدة الأخرى المطلقة على الصيغة المختارة المقيدة بهذا القيد؛ فيجب أن يكون هذا الخير الذي يُخالَف الأمرُ من أجل تحصيله للآمر متيقنا حتى تحل مخالفة الأمر ويؤتى بغيره, ومن أجل هذا فإنه لا تجوز مخالفته لمصلحة موهومة أو مظنونة, فلو أن الوكيل رأى السلعة تباع بأقل من ثمنها الذي حدده له الموكل إلا أنها تختلف صفتها عما أمر بشرائه, وظن أن في ذلك مصلحة له - لم يجز له مخالفة الأمر, لانعدام اليقين في مثل هذه الصورة.

وفي حقيقة الأمر فإن في التعبير بـ (المخالفة) فيما فيه خير للآمر بيقين - نوعا من التجوز في أكثر صور القاعدة؛ وإلا فإن من أراد أن تشترى له السلعة بألف يقصد أيضا أن تشترى له بأقل من ذلك إن كان ذلك متاحا ويرضى به إن وقع بلا شك, ولذلك فإن القاعدة تعدّ أحد فروع قاعدة:"الرضا بالأدنى يكون"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت