فهرس الكتاب
رضا بالأعلى من طريق الأولى", ومستند هذه الأولوية هو أيضا العادة الجارية بين الناس؛ يقول ابن رجب الحنبلي في ذلك:"التصرف في مال الغير بإذنه على وجه تحصل فيه مخالفة الإذن على وجه يرضى به عادة - يصح؛ اعتبارا فيه بالإذن العرفي" [1] فقد جعل, رحمه الله, هذا من قبيل الإذن منه في التصرف؛ لأن العادة جرت بهذا, وتعارَف الناس كلهم عليه, ولهذا كانت هذه القاعدة أحد فروع القاعدة الكبرى:"العادة محكمة", ولولا هذا الإذن العرفي لما جازت مخالفة الأمر من الآمر به, وإلا فلو أن المأمور علم أن له غرضا في عدم الشراء بأنقص لما جاز له مخالفة أمره, كأن يكون أراد محاباة البائع مثلا لقرابة أو نحوها."
ومما يتصل بمعنى القاعدة عدم وجوب الضمان على مَن خالف الأمر إلى ما هو خير منه, فلو أن إنسانا استعار سيارة آخر, وعيّن له المعيرُ طريقَ السير إلى مقصده, فسلك المستعير طريقا آخر أفضل منه بأن كان معبّدا, وكان المعيَّن غير معبد, أو استويا في هذه الناحية وكان الطريق الذي سلكه المستعير أقصر - فإنه لو حدَث للسيارة شيء لم يكن على المستعير ضمان لمخالفة الأمر, وبهذا جاء نص القاعدة التي هي أحد فروع قاعدتنا"المخالفة إلى خير أو إلى المثل لا توجب الضمان"
والقاعدة واسعة المجال؛ فإنها لا تقتصر على جانب المعاملات - وإن كان هو الأكثر - بل تشمل أيضا العبادات, كما يتضح من تطبيقاتها, وهذا مما يبرز أهمية القاعدة, ويوضح بجلاء أثرها في الفقه الإسلامي, كما أن مما يوضح تلك الأهمية لها كثرة القواعد والضوابط الفقهية المتفرعة عنها؛ فمن ذلك ضابط"تجوز مخالفة شرط الواقف لمصلحة الوقف"فإن الأصل أن نص الواقف كنص الشارع ينبغي مراعاته والمحافظة على تنفيذه, لكن تجوز مخالفته
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] قواعد ابن رجب ص 486.