شيء ما, مما يقتضي تقديم وتفضيل الأدنى على الأعلى, ولذلك وجدنا الفقهاء يقيدون مسائل هذه القاعدة, وإقامة الرضا بالأدنى مقام الرضا بالأعلى, بما إذا لم يكن له غرض صحيح في الرضا بالأدنى دون الأعلى, فإن كان له غرض صحيح كان رضاه معتبرًا, فيقولون - مثلًا: لو عجل المسلم إليه مسلما فيه مؤجلا, فلم يقبله المسلم لغرض صحيح, ككونه حيوانا فيحتاج إلى علف, أو كونه ثمرا أو لحما يريد أكلها عند المحل طريا, أو كون الوقت وقت نهب فيخشى ضياعه, ففي مثل هذه الحالات لا يجبر على قبوله [1] , مع أن تعجيل الدين خير من تأجيله في العادة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن من شروط صحة العقد باتفاق الفقهاء - كما هو معلوم - أن يكون القبول موافقًا للإيجاب, لكن إذا تضمن القبول الإيجابَ وزيادة - كما لو قال البائع: بعتك الشيء بعشرة, فيقول المشتري: اشتريته بخمس عشرة. أو قالت المرأة: زوجتك نفسي بمائة, فيقول الزوج: قبلت الزواج بمائة وخمسين, أو يقول الزوج: خالعتك بألف, فتقول: قبلت بألفين - فقد اختلف الفقهاء في ذلك: فذهب الشافعية إلى أن العقد لا يتم, لأن من شروط صحة العقد الموافقة التامة بين الإيجاب والقبول. وقال الحنفية: إن العقد يتم مع الزيادة؛ إذ التوافق متحقق ضمنًا؛ لأن هذه المخالفة خير للموجب, والقابل بالأكثر قابل بالأقل طبعًا, لكن العقد لا يلزم إلا بالمقدار الذي وجهه الموجب, وأما الزيادة فموقوفة على قبول الموجب في مجلس العقد, فإن قبل به الموجب لزم القابل؛ لأن المال لا يدخل في ملك إنسان بغير اختياره إلا في الميراث [2] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب لزكريا الأنصاري 1/ 325.
[2] انظر: البحر الرائق لابن نجيم 5/ 290؛ حاشية ابن عابدين 4/ 526؛ المجموع للنووي 9/ 196؛ 3/ 61، 269؛ الموسوعة الفقهية 30/ 212؛ الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي 4/ 105، 362، 503.