فهرس الكتاب

الصفحة 5229 من 19081

وتجاوز الحد المؤثر في الأحكام الشرعية على ضربين:

الضرب الأول: متعلقه أفعال المكلفين, وتجاوز الحد فيه إما أن يكون بالزيادة أو النقصان عن المقدار الثابت بالشرع وكلاهما مذموم. يقول السرخسي:"المقدار الثابت بالشرع لا يجوز لأحد أن يتجاوزه إلى ما هو أكثر منه أو أقل [1] ".

وإذا كان وجه ذم التقصير عن المقادير الشرعية لا يخفى لما فيه من تنفير المكلف من إجابة داعي الكسل والتثاقل عن الخير المجبول عليه [2] , فإن ما قد يقع من المكلف - ولو عن حسن نية - من إفراط وغلو في الدين يحسب لجهله أنه يحسن به صنعا, مذموم كذلك لأنه تصرف مناف لأصلين شرعيين قويين هما رفع الحرج في الدين والاقتصاد في جلب المصالح الشرعية.

وبيان ذلك من جهتين:

الأولى: أن المنازل في هذا القسم - كما يقول عز الدين بن عبد السلام - ثلاثة: التقصير في جلب المصالح, والإسراف في جلبها, والاقتصاد بينهما [3] . وصاحب هذا التصرف داخل في المنزلة الثانية المذمومة لأن المطلوب شرعا هو الاقتصاد. كما يؤكد ذلك الإمام الغزالي مصرحا بارتباط قاعدتنا بهذا الأصل الشرعي, يقول الغزالي:"فبالعدل قامت السماوات والأرض وكل ما جاوز حده انعكس على ضده [4] ", ويقول شارحه الزبيدي معلقا على كلامه:"وهذه قاعدة كلية مشهورة [5] ". ويقول الشاطبي مشيدا بمكانة الاقتصاد وعدم الإفراط في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] المبسوط للسرخسي 15/ 56.

[2] لما في ذلك من إخراج المكلف من داعية هواه الذي هو المقصد الشرعي من وضع الشريعة، يقول الشاطبي:"المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدا لله اختيارا، كما هو عبد لله اضطرارا"، الموافقات للشاطبي 2/ 168.

[3] قواعد الأحكام لعز الدين بن عبد السلام 2/ 174.

[4] إحياء علوم الدين للغزالي 2/ 45.

[5] الإتحاف للزبيدي 5/ 357.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت