ومن السنة حديث الرهط الثلاثة الذين"قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا, وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر, وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا, فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني [1] ".
ولا شك أن تأثير هذا الوجه من القاعدة في الأحكام الفقهية قوي وكثير الانتشار لا يكاد يخلو منه باب من أبواب الفقه وقد نبه العز ابن عبد السلام على جملة من ذلك في معرض بيانه أن الاقتصاد في المصالح والخيور المطلوب شرعا رتبة بين رتبتي التفريط والإفراط [2] .
الضرب الثاني: ما يقع من المشقة المتجاوزة للحد الممكن احتماله وعكسه المعبر عنهما
بقاعدة:"إذا ضاق الأمر اتسع, وإذا اتسع ضاق", التي اعتبر علماء التقعيد القدماء شقها الأول صيغة أخرى للقاعدة الفقهية الكبرى التي خرج الفقهاء عليها رخص الشرع وتخفيفاته في العبادات والمعاملات:"الْمَشَقَّة تَجْلِبُ التَّيْسِير". يقول الإمام السبكي:"المَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِير"وإن شئت قلت:"إذا ضاق الأمر اتسع [3] ", ويقول الحموي:"إذا ضاق الأمر اتسع"هذه قاعدة بمعنى:"المشقة تجلب التيسير [4] ".
أما شقها الثاني فمعناه, أنه إذا زال الضيق زالت التوسعة ورجع الحكم إلى أصله التكليفي الذي لا يخلو من مشقة مقصودة شرعا لما تحمله في طيها من مصلحة دينية أو دنيوية للمكلف مع أن مبناه على التيسير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] رواه البخاري 7/ 2 (5063) .
[2] قواعد الأحكام لعز الدين بن عبد السلام 2/ 174.
[3] الأشباه والنظائر للسبكي 1/ 49.
[4] غمز عيون البصائر للحموي 1/ 273.