أما المالكية فمع أنهم من أكثر الفقهاء استعمالًا لهذه القاعدة إلا أنهم لم يحددوا الغيبة القريبة بمسافة محددة مع أنهم ذكروا في كثير من المسائل أن المسافة القريبة هي ما دون اليومين أو الثلاثة مع الأمن من الخوف, قال مَيّارة - رحمه الله تعالى:"قال أبو الوليد ابن رشد: الحكم على الغائب في مذهب مالك على ثلاثة أقسام: أحدها: غائب قريب الغيبة على مسيرة اليوم واليومين والثلاثة فهذا يكتب إليه ويعذر إليه في كل حق فإما وكل وإما قدم فإن لم يفعل حكم عليه في الدين وبيع عليه ماله من أصل وغيره وفي استحقاق العروض والحيوان والأصول وجميع الأشياء والطلاق والعتاق وغير ذلك ولم ترج له حجة في ذلك. قال ابن رشد في نوازله: وهذا الذي ذكرناه من حد الغيبة القريبة هو مع الأمن والطريق المسلوكة, وأما إذا كانت الطريق غير مأمونة ولا مسلوكة فيحكم على الغائب فيها وإن قربت غيبته وترجى له الحجة ... إلخ [1] "
و من أهل العلم من مال إلى تحكيم العرف والعادة في ذلك, من ذلك ما جاء في مسالك الأفهام:"والأقوى اعتبار الغيبة عرفًا" [2] .
وقال الشوكاني - رحمه الله تعالى:"وأما قدر مسافة الغيبة فينبغي تفويض النظر فيه إلى الحاكم المجتهد لاختلاف الأحوال باختلاف الأشخاص والأموال" [3]
والغائب القريب إنما كان في حكم الحاضر لسهولة الاتصال به والوقوف
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] شرح ميارة على تحفة ابن عاصم 2/ 47.
[2] مسالك الأفهام للعاملي 9/ 73. وقال أحد المعاصرين من الإمامية:"والأولى إيكال معنى الغائب الى العرف فان الغائب الذي ذهب إلى ثلاثة فراسخ ولم يتمكن فعلًا من الرجوع إلى أهله يصدق عليه الغائب، وأما الغائب الذين تكون عنده الوسيلة بأن كانت السيارة باختياره ويتمكن من الرجوع بسهولة متى شاء ربما لا يصدق عليه الغائب بنظر العرف، وإن كانت المسافة بينه وبين أهله أكثر من مسافة قصر الصلاة"اهـ تقريرات الحدود للسيد اللپاياني 1/ 32.
[3] السيل الجرار للشوكاني 4/ 293.