فهرس الكتاب

الصفحة 5281 من 19081

وحرم منه الخبيث سواء كانا في الأشخاص أو الأعيان أو الأعمال.

ونفي الاستواء في القاعدة بين الخبيث والطيب ذو معنى عميق وتأثير قوي في الشريعة عبر الشيخ الطاهر ابن عاشور عن وجه منه دقيق بقوله في تفسير هذه الآية:"المقصود استنزال فهمه (يعني السامع) إلى تمييز الخبيث من الطيب في كل ما يلتبس فيه أحدهما بالآخر, وهذا فتح لبصائر الغافلين كيلا يقعوا في مهواة الالتباس ليعلموا أن ثمة خبيثًا قد التف في لباس الحسن فتموه على الناظرين". مثال ذلك:"الفرق بين ما أحدثه أهل الجاهلية من نقائض الحنيفية وبين ما نوه الله به مما كانوا عليه من شعائر الحج, فإنه لما جعل الكعبة قيامًا للناس وجعل الهدي والقلائد قيامًا لهم, بين أمورًا ما جعلها الله ولكن جعلها أهل الضلالة ليميز الخبيث من الطيب, فإن البحيرة مثلًا تشبه الهدي في أنها تحرر منافعها وذواتها حية للأصنام كما تهدى الهدايا للكعبة مذكاة, فكانوا في الجاهلية يزعمون أن الله شرع لهم ذلك ويخلطون ذلك بالهدايا [1] ". والخبث قد يكون فساده باطنًا في الأشياء حتى يظن بها الصلاح وهي بخلاف ذلك [2] . ومن هذا الباب إناطة الشريعة الأعمال بالنيات لا بصورها الظاهرة كما تقرره القاعدة الفقهية الكبرى:"الأعمال بالنيات"ويبيِّنه بجلاء الحديث الشريف الذي اقتبست منه؛ إذ الأعمال في ظاهرها قد تبدو متساوية وقصد المكلف الطيِّب - وهو إرادته بها وجه الله - يجعل نفس العمل قربة, وقصده الخبيث يجعله بخلاف ذلك.

وهذه القاعدة واسعة التطبيق لا يخلو من تأثيرها باب من أبواب الفقه مما يجعلها جديرة بأن تعتبر من أمهات القواعد الفقهية [3] . وبيان ذلك أن الخبيث

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] التحرير والتنوير لابن عاشور 5/ 235 - 236.

[2] المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الأندلسي 2/ 244.

[3] ويؤيد ذلك أن حديث"إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا"-وهو صيغة أخرى للقاعدة:"لا يقبل الله إلا الطيب"المتفرعة عن قاعدتنا- اعتبره العلماء أحد الأحاديث التي هي قواعد الإسلام ومباني الأحكام، شرح صحيح مسلم للنووي 7/ 100.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت