فالقاعدة ترمي إلى تنفير الناس وإبعادهم عن المستقذرات شرعًا, وترسيخ قبحها وكراهيتها في النفوس؛ لأن بعض ما استقذره الشارع قد لا يكون فيه قذارة حسية, بل ربما كان محببًا إلى النفس, لكن لما حُكِم بقذارته شرعًا صار بمنزلة المستقذر حسًا, فلزم نبذه واجتنابه والبراءة منه وعدم استعماله كما يُتَحاشى المستقذر طبعًا, وبني على ذلك كثير من الأحكام الفقهية في أبواب مختلفة.
ومع أن القاعدة لم ترد بلفظها إلا عند أبي عبد الله المقري - ومن نقل عنه
-إلا أن معناها لم نقف فيه على خلاف بين الفقهاء [1] .
و المستقذر شرعًا هو كل ما أمر الشرع بالتنزه عنه [2] ونهى عن استعماله على سبيل التحريم أو الكراهة.
و المستقذرات شرعًا نوعان:
1 -أشياء مادية محسوسة, وهي عبارة عن جميع النجاسات العينية التي منها ما يكون مستقذرًا في الحس والطبع أيضًا [3] , مثل الدم والبول والعذرة, ومنها الأعيان المحرمة وإن لم يكن فيها قذارة طبيعية, مثل الخمر ولحم الخنزير والكلب, ونحوها مما ليس فيه استقذار حسي لكن لما استقر في نفوس المسلمين تحريمه صار عندهم كالمستقذر حسًا. قال الراغب الأصفهاني - رحمه الله تعالى: الرجس: الشيء القذر وهو يكون على أربعة أوجه: إما من حيث الطبع وإما من جهة العقل وإما من جهة الشرع وإما من كل ذلك كالميتة, فإن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] علمًا بأن بعض المعاصرين جعلها مثالًا للقواعد المختلف فيها، ولم يظهر لنا وجه ذلك، والله أعلم. انظر: مجموعة الفوائد البهية على منظومة القواعد الفقهية ص 22.
[2] انظر: شرح الكوكب المنير لابن النجار ص 500.
[3] ولا تلازم بين الاستقذار والنجاسة، بل بينهما خصوص وعموم، فكل نجس قذر، ولا عكس، فمثلًا: المخاط والعرق، والقمامة التي من فضلات الطعام وما كنس في البيت من الغبار ونحوه لا يحكم بنجاسته وإن كان مستقذرًا في الحس والطبع.