به هنا فعل ما فيه نفع أو دفع ما فيه ضر, ويكون ذلك بأداء ما وجب على الإنسان أداؤه أو تطوعه بما ليس بواجب عليه من الخير, وسواء أكان ذلك في أمور العبادات كالصلاة والزكاة ونحوهما, أم فيما يتعلق بمعاملة الناس بعضهم بعضا, وقد ورد الإحسان أيضا بمعنى البلوغ بالعمل إلى منتهاه من الإتقان والإجادة.
و السبيل: أصله الطريق, ويطلق على وسائل وأسباب المؤاخذة باللوم والعقاب؛ لأن تلك الوسائل تشبه الطريق الذي يصل منه طالب الحق إلى مكان المحقوق [1] , وقد ورد في القاعدة استعماله نكرة في سياق النفي فكان شاملا لكل عقوبة من لومٍ أو تقريعٍ أو تعزيرٍ أو تغريمِ مالٍ أو غير ذلك, كما يشمل العقاب الأخروي كذلك, يقول القرطبي: وهذه الآية أصل في رفع العقاب عن كل محسن [2] وقد أُكِّد نفي السبيل بحرف الجر الزائد, فكان النظم (ما على المحسنين من سبيل) ولم يكن (ما على المحسنين سبيلٌ) من أجل هذا التأكيد لنفي المؤاخذة.
فمعنى القاعدة أن المحسن لا يجوز التعرض له بأي نوع من أنواع العقوبة إنْ ترتب على فعله الذي هو محسنٌ فيه ضررٌ, أو وقع فيه خللٌ, أو حصل منه فيه تقصير, بل الواجب مراعاة إحسانه, والنظر إلى تفضله, وغضّ الطَّرْف عن النقص الذي يحصل منه. وليس المقصود بنفي المؤاخذة نفيها عنه في كل حال, بل المراد نفيها في تلك الحال التي هو محسن فيها لا في غيرها, فإذا شبّ حريق مثلا في منزل أو نحوه وتسابق الناس إلى إطفائه فوقع منهم أو من أحدهم أثناء الإطفاء إتلافٌ لبعض ما في المنزل فإنهم لا يلامون على ذلك ولا يضمنونه؛ لأنهم محسنون بفعلهم هذا, وما على المحسنين من سبيل, لكنهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] التحرير والتنوير لابن عاشور 10/ 179.
[2] تفسير القرطبي 8/ 227.