مؤاخذون في غير هذا الصنيع بما يؤاخذ به غيرهم من ضمان أو تعزير أو غير ذلك مما تستحقه أفعالهم.
وقد بيّن سبحانه في الآية المقابلة لهذه القاعدة مَن هم أحقّ بأن يُحمل عليهم ويكون عليهم السبيل, فقال تعالى: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى - 42] يقول ابن العربي , رحمه الله, عنها: هذه الآية في مقابلة الآية المتقدمة في (براءة) , وهي قوله: {مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} , فكما نفى الله السبيل عمن أحسن فكذلك أثبتها على من ظلم, واستوفى بيان القسمين [1] ونفيُ الضمان عن كل محسن من أبرز صور القاعدة؛ حتى إن الناظر إلى كتب الفقهاء لَيُخَيَّل إليه أن المقصود بنفي السبيل إنما هو نفي الضمان, والحق أنها أعم من ذلك, كما سبق تقريره, والكلام عن الضمان إثباتا ونفيا مما يشغل الفقهاء أكثر من غيره, ولذلك أبرزوا الحديث عنه عند استعمالهم لهذه القاعدة.
ومجال القاعدة شامل للعبادات والمعاملات جميعا, ولكون المتبرع بماله أو عمله من المحسنين فإن لهذه القاعدة أثرا ظاهرا في عقود التبرعات, وإعمالا واضحا فيها, وكذلك كل من جعل الشرع يدَه يدَ أمانةٍ كالمودَع والوكيل والملتقط, على نحو ما يبدو جليا من تطبيقاتها إن شاء الله تعالى.
وهي موضع اتفاق بين أهل العلم, لا خلاف بينهم في الأخذ بمقتضاها, وقد ورد استعمالهم لها على اختلاف مذاهبهم وتنوع مشاربهم, مستدلين بها على الفروع الفقهية المتنوعة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أحكام القرآن لابن العربي 4/ 93.