ومعناها أن القادر على التعبير بالكلام لا عبرة لما يقع منه من إشارة يريد بها إفهام مراده فإنها لا يترتب عليها ما يترتب على العبارة اللفظية من أحكام في العبادات والمعاملات ولو كانت مُفْهِمة ومتداولة عرفًا.
والمراد بالإشارة في القاعدة ما كان منها غير مقترن بكلام, أما إذا جمع الناطق بينها وبين اللفظ بحيث أتت مبينة أو مكملة له فإن بعض العلماء أطلقوا اعتبارها حينئذ مستدلين بالأحاديث التي ورد فيها مثل ذلك, يقول ابن خزيمة في الترجمة لحديث"خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول"الشهر هكذا وهكذا وهكذا"ثم قبض أصابعه في الثالثة": إن فيه"الدليل على أن الإشارة المفهومة من الناطق تقوم مقام النطق في الحكم كهي من الأخرس" [1] وهو ما عبر عنه الأصوليون بقاعدة:"الإشارة من النبي صلى الله عليه وسلم من جملة السنة وتقوم بها الحجة" [2] والفقهاء بالقاعدة المقيدة لقاعدتنا:"الإشارة متى تعلقت بها العبارة نزلت منزلة الكلام" [3] , ولبعضهم في الاعتداد بها تفصيل [4] .
وهذه القاعدة معبرة عن رأي جمهور الفقهاء, الحنفية والشافعية والحنابلة.
فالحنفية والشافعية صرحوا باعتبارها وتفننوا في التعبير عنها في كتب القواعد والفروع عندهم, وأما الحنابلة فقد أعملوها في مسائل متعددة [5]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] صحيح ابن خزيمة 3/ 207، والحديث رواه مسلم في صحيحه 2/ 764 (1086) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وهو في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. علما بأن ابن خزيمة ذكر في التعليق على حديث آخر وردت فيه الإشارة مجردة من النطق، وهو حديث إيماء الرسول صلى الله عليه وسلم في مرضه إلى أبي بكر بالتقدم للصلاة بالناس، ما يفيد أن الإشارة من الناطق قد تكون معتبرة، يقول ابن خزيمة:"هذا الخبر من الجنس الذي كنت أعلمت أن الإشارة المفهومة من الناطق قد تقوم مقام المنطق إذا النبي e أفهم الصديق بالإشارة إليه أنه أمره بالإمامة فاكتفى بالإشارة إليه عن النطق بأمره بالإقامة"صحيح ابن خزيمة 2/ 372.
[2] انظر: إرشاد الفحول للشوكاني 1/ 83.
[3] بدائع الصنائع للكاساني 3/ 109.
[4] انظر: زينة العرائس لابن المبرد الصفحة 79 من النسخة الألكترونية.
[5] المغني لابن قدامة 6/ 121، الشرح الكبير لابن قدامة 12/ 33.