فهرس الكتاب

الصفحة 5583 من 19081

والشطر الأول من هذه القاعدة هو أصل متفق عليه بين عامة الفقهاء [1] , وإحصاء فروعها يخرج عن طوق الباحث, أما الشطر الثاني فإنه وإن كان من الصيغ المتداولة عند الحنفية , إلا أن معناه موجود عند غيرهم أيضًا؛ لأنه بمثابة استثناء من الأصل المذكور - أو قيد له - ولا يخفى أن كون الساكت لا ينسب إليه قول, ولا يعتد بسكوته ليس على إطلاقه, بل يستثنى من ذلك مسائل عند الجميع يقوم فيها السكوت مقام النطق, على اختلاف بينهم في مقدار ما يستثنى منها من الفروع, بين مضيق وموسع, فبينما نرى ابن عابدين من الحنفية أوصلها إلى تسع وستين مسألة [2] يفهم من كلام ابن حزم أنه لم يستثن منها إلا ما ورد به نص في الكتاب أو السنة, مثل سكوت البكر عند استئذانها في التزويج [3] , وتوسط الباقون فيما يستثنى من القاعدة, بناء على قولهم إن السكوت ينزل منزلة النطق إذا احتفت به قرائن تدل على رضا الساكت, فمن ذلك - مثلًا - ما قاله ابن رشد - رحمه الله تعالى:"قد أجمعوا على ذلك [يعني على عدم دلالة سكوت الثيب عند تزويجها على إذنها ورضاها] في النكاح فوجب أن يقاس ما عداه عليه إلا ما يعلم بمستقر العادة أن أحدًا لا يسكت عليه إلا برضا منه فلا يختلف في أن السكوت عليه إقرار , كمن يرى حمل امرأته فيسكت ولا ينكره ثم ينكره بعد ذلك وما أشبه ذلك" [4] . وقال إمام الحرمين - رحمه الله تعالى:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] وقد اختلف المالكية في السكوت: هل هو إذن وإقرار أو لا؟ ولذلك عبروا عن هذه القاعدة بصيغة الاستفهام:"السكوت على الشيء هل هو إقرار به أم لا؟ وهل هو إذن فيه أم لا"إيضاح المسالك للونشريسي ص 159، القاعدة 108. ورُجِّح عندهم أن الإقرار ليس بإذن. انظر: مواهب الجليل للحطاب 5/ 225، البهجة شرح التحفة للتسولي 1/ 245، 2/ 68.

[2] انظر: حاشية ابن عابدين 4/ 492.

[3] انظر: المحلى لابن حزم 8/ 437. ومما يدل على مذهب ابن حزم - رحمه الله تعالى- في الموضوع قوله في 9/ 89 من المحلى:"من لم يعرض على شريكه الأخذ قبل البيع حتى باع بذلك للشريك فالشريك على شفعته، علم بالبيع أو لم يعلم، حضره أو لم يحضره، أشهد عليه أو لم يشهد، حتى يأخذ متى شاء ولو بعد ثمانين سنة أو أكثر، أو يلفظ بالترك فيسقط حينئذ"ثم ذكر أقوال عامة الفقهاء فاعترض عليها جميعا.

[4] مواهب الجليل للحطاب 5/ 225.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت