ثانيهما: أن التعليق إذا كان متعلقه الإنشاء فإنه لا يجوز. وبيان ذلك أن البائع إذا قال:"إن شئت بعتك", فبالجملة الشرطية:"إن شئت", وقع من البائع تعليق لإيقاع البيع المنشأ بلفظ:"بعتك". وتعليق وجود ما وجد على وجود ما لم يوجد محال [1] , وهذا معنى قول السبكي:"الإنشاء لا يعقل تعليقه [2] ".
والذي يظهر أن التفريق بين تأثير إنشاء التعليق وتعليق الإنشاء على هذا النحو خاص بالشافعية وهو مبني على مذهبهم في أن تعليق السبب بالشرط لا يبطل سببيته و لا يمنعه من الانعقاد موجبا للحكم في الحال, وإنما يؤخر حكمه, فقط, إلى حين وجود الشرط جريا على شطر القاعدة الأصولية الخلافية:"التَّعْلِيقُ هَلْ يَمْنَعُ السَّبَبَ عَنِ الاِنْعِقَادِ أَوِ الْحُكْمَ عَنِ الثُّبُوتِ فَقَطُّ [3] ؟". يقول ابن السبكي في بيان وجه ذلك:"قال علماؤنا: الشرط إذا دخل على السبب ولم يكن مبطلًا كان تأثيره في تأخير حكم السبب إلى حين وجوده, ولا في منع السببية."
مثاله: إذا قال: إن دخلت الدار فأنت طالق, أو أنت طالق (إن) دخلت الدار فالسبب قوله: أنت طالق, والشرط الداخل عليه. وهو قوله: إن دخلت, مقدمًا كان أو مؤخرًا. لا يؤثر شيئًا في قوله:"أنت طالق"بل في حكمه.
وإنما قلنا: ِإنه لا يؤثر في"أنت طالق"لأن"أنت طالق"ثابت مع الشرط كما هو ثابت بدونه, ولكن الشرط أوقف حكمه ومنعه؛ فكان أثر الشرط في منع حكم العلة لا في نفس العلة, بدليل أنه لو لم يقترن به الشرط ثبت حكم العلة. وربما عبروا عن هذا بأن الشرط لا يبطل السببية ولكن يؤخر حكمها فالسبب ينعقد ولكن الشرط يوقفه. ويؤخر حكمه فإذا ارتفع الشرط عمل السبب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الإحكام للآمدي 2/ 159.
[2] فتاوى السبكي 2/ 215.
[3] فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت للأنصاري اللكنوي 1/ 461.