ولا شك أن لارتباط الشيء بمآله أو بأصله تأثيرا في حكمه هو منشأ اختلاف بين الفقهاء عبروا عنه بقاعدة مقررة للخلاف في تأثير مآل الشيء في حكمه وهي:"العبرة بالحال أو بالمآل", والقاعدة التي بين أيدينا قوية الصلة بتلك القاعدة, وقد ورد في إحدى القواعد المتفرعة عنها ما يؤكد ذلك:"إذا اختلف حكم الشيء بالنظر إلى أصله ومآله فقد اختلف المالكية بم يعتبر منهما في باب العبادات؟"
وقد عبر المالكية عن مبدإ الشيء بمنبته إبرازا لقوة الاتصال بينهما في صيغة أخرى للقاعدة هي قولهم:"إذا اختلف الحكم بالمنبت والمحاذاة فقد اختلف المالكية بماذا يعتبر"؛ كما عبروا عن المحاذاة بالمنتهى في الصيغة"إذا تقابل حكم المبدإ والمنتهى, فقد اختلف في المقدم منهما في باب العبادات".
... والقاعدة كما هو صريح منطوقها مقيدة باتصال الشيء المختلف في حكمه بآخر سواء كان ذلك الاتصال حكميا أو حسيا. ولها قيدان آخران مفهومان من نصها ومصرح بهما في بعض صيغها المتنوعة هما:
1 -أن يكون لهذا الشيء مبدأ ومحاذ وهو المراد بصيغة:"الشيء إذا اتصل بغيره إذا كان له مبدأ ومحاذ هل يعطى حكم مبدئه أو حكم محاذيه؟"
2 -أن يختلف حكم المبدأ والمحاذي وهو ما تصرح به الصيغة:"إذا اختلف حكم الشيء بالنظر إلى أصله وحاله فقد اختلف المالكية بماذا يعتبر منهما".
والذي يظهر أن اطراد الخلاف في القاعدة خاص بالمذهب المالكي, فصيغتها المختارة وصيغها الأخرى مأخوذة كلها من كتب القواعد عندهم, ومع ذلك فإنه يلاحظ حضور لها في شتى المذاهب الفقهية الأخرى وردت بعض أمثلته في تطبيقاتها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] شرح ميارة للتحفة 2/ 87؛ الفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر الهيتمي 2/ 191.
[2] انظر: التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي 2/ 157.
[3] إعلام الموقين لابن قيم الجوزية 2/ 14.
[4] شرح مختصر الخرقي للزركشي 1/ 405؛ إحكام الأحكام لابن دقيق العيد 1/ 313؛ إيضاح القواعد للحجي 53؛ اللباب للميداني 1،4/ 139، 1/ 37؛ عون المعبود للعظيم آبادي 10/ 436؛ النوازل الصغرى للوزاني 1/ 310.