فدل ذلك على أن مثل هذا الاستدلال لا يستقيم, وأن الدليل الصحيح هو استصحاب الأصل عند انتفاء الصارف عنه كما تقرره قاعدتنا.
والقاعدة معقولة المعنى لأنا لو افترضنا إلحاق المتولد بأحد أصليه جريًا على قاعدة:"الْمُتَوَلِّدُ مِنَ الْأَصْلِ يَكُونُ بِصِفَةِ الْأَصْلِ", فإنه يعكر على ذلك تأثير الأصل الآخر عملًا بنفس القاعدة, إذ من المسلم عند الفقهاء أن"الشيء مع غيره غيره في نفسه"وأن"حكم الشيء في نفسه وحده يجوز أن يكون مخالفًا لحكمه مع غيره". وهذا معنى استدلال القرافي للقول بعدم إجزاء الأضحية بالمتولد من الأنعام وغيرها بقوله:"... وعدم الإجزاء لأن مورد الشرع ما خلص من الأنعام وهذا لم يخلص" [1] .
ومع ذلك فالقاعدة ليست محل اتفاق, فالحنفية [2] والزيدية [3] رجحوا التبعية للأم في المتولد بين حيوانين مختلفي الحكم, فقالوا: إن كانت الأمهات غنمًا والفحول ظباء فحكمها حكم الغنم تجب فيها الزكاة, وتجوز فيها الضحايا, ولا يجب في قتلها الجزاء استدلالا بأن الولد لما كان تابعًا لأمه في الملك وجب أن يكون تابعًا لأمه في الزكاة [4] , وسبق ذكر استدلال الحنابلة لوجوب زكاة الحيوانات المتولدة بين الوحشي والأهلي بكونها متولدة بين ما تجب فيه الزكاة, وما لا تجب فيه, فوجبت فيها الزكاة.
ومجال تطبيق هذه القاعدة يشمل العبادات والمعاملات, وأكثر إعمال الفقهاء لها إنما وقع في المتولد بين حيوانين مختلفين, مع أنه يتصور جريانها نظريًا في كل متولد من شيئين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الذخيرة للقرافي، عازيا لأبي الطاهر 4/ 144.
[2] انظر: تبيين الحقائق للزيلعى 1/ 34.
[3] انظر: التاج المذهب لأحكام المذهب للعنسي 1/ 197.
[4] انظر: لتفصيل آراء الفقهاء في ذلك والرد على مذهب الحنفية: الحاوي الكبير للماوردي 3/ 134 - 135.