فلا تعارض إذن بين هذه القاعدة وما استقرأه الفقهاء من ضوابط لأحكام المتولد من مختلفي الجنس أو الحكم بالنظر إلى تبعيته لأحد أصليه, كقولهم:"الولد يتبع أباه في النسب وأمه في الرق والحرية, وأشرفهما دينًا, وأخسهما نجاسة, وأخفهما زكاة, وأغلظهما فدية [1] ". وبيان ذلك أن تبعية المتولد لأحد أصليه إنما وقعت في هذه المسائل بأدلة ومعتبرات شرعية خاصة بها. مثال ذلك أن الولد إنما يتبع أباه في النسب لقوله تعالى: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} [الأحزاب - 5] , وأشرف والديه دينًا لأن الإسلام يعلو ولا يعلى [2] , وأخسهما نجاسة لأن النجاسة يحتاط لها, وأغلظهما فدية لأن الفدية مبنية على التغليظ [3] , وإنما حرم أكل المتولد من حيوان حلال وآخر حرام لأنه اجتمع فيه جهة التحليل والتحريم فغلب التحريم [4] . وقاعدتنا دالة على استصحاب الأصل عند انتفاء الصارف عنه, مقررة أن التعليل بالتبعية لأحد أصلي المتولد لا يصح حينئذ الاستدلال به لحكمه لمخالفته لهما.
ومما يؤيد ذلك أن ما علل به الحنابلة إيجاب الزكاة في المتولد من الوحشي والأهلي بكونها متولدة بين ما تجب فيه الزكاة, وما لا تجب فيه, فوجبت فيها الزكاة [5] , استدل به مخالفوهم لنفي الزكاة: يقول القرافي في معرض الاستدلال لمذهبه ولمذهب الشافعية:"لا يجب الزكاة في المتولد بين الظباء والنعم ... لأنه يتركب من جنس ما لا يوجب وما يوجب فلا تجب فيه" [6] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الأشباه والنظائر للسيوطي ص 267.
[2] الشرح الممتع على زاد المستقنع لابن اعثيمين 13/ 319.
[3] المنثور للزركشي 3/ 347.
[4] المهذب للشيرازي 1/ 212، وانظر: شرح النيل وشفاء العليل لأطفيش 1/ 433.
[5] فجعلوه من باب جعل الاتفاق علة، قالوا: المتولد بين الظباء والغنم حيوان منفصل من حيوان يجب فيه الزكاة بالإجماع فأشبه المتولد بين السائمة والمعلوفة: قواطع الأدلة في الأصول للسمعاني 2/ 201.
[6] الذخيرة للقرافي 3/ 95.