إذا كان هناك باطل أعظم من فعل حق فإنه يترك الإتيان بالحق ساعتها نظرا لما تقتضيه قاعدة تقديم ترك المفسدة إذا رجحت على فعل المصلحة, وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم تتميم بناء الكعبة على قواعد إبراهيم عليه السلام - وهذا من الحق الذي لا لبس فيه - خشية وقوع فتنة ارتداد حديثي العهد بالإسلام وإنكارهم على صاحب الشرع, وهذا الفعل منهم - لو وقع - من أبطل الباطل وأشنعه, فهذا الصنيع منه صلى الله عليه وسلم فيه إعمال لهذا القيد الذي ينبغي أن تتقيد به القاعدة.
كما أنه ينبغي مراعاة أنه إذا أمكن الإتيان بالحق من غير ملابسة للباطل كان هذا هو المتعين فعله دون الإتيان به مع ملابسته, كأن يكون للمسجد طريقان وفي أحدهما بعض المنكرات, بينما الآخر سالم منها, فإن إتيانه من السالم من المنكرات هو اللازم له, إلا إذا كان لمروره في الأخرى غرض شرعي صحيح كإزالة المنكر أو تقليله مثلا.
ومن بديع ما يذكر هنا ما قاله أبو الفرج ابن الجوزي , رحمه الله تعالى: أنا لا أرى ترك التحديث بعلة قول قائلهم: إني أجد في نفسي شهوة للتحديث ; لأنه لا بد من وجود شهوة الرياسة فإنها جبلة في الطباع, وإنما ينبغي مجاهدتها, ولا يترك حق للباطل [1]
وقد تفرعت عن القاعدة عدة قواعد هي أثر من آثارها وتطبيقات لها مثل:"لا تترك السنة لمعصية توجد من الغير", وقاعدة:"لا تترك السنة بما اقترن بها من البدعة"فإن السنة في مقابلة المعصية, والسنة في مقابلة البدعة - حق في مقابلة باطل لا يترك مراعاةً له, وقاعدة:"لا يحرِّم الحرامُ الحلالَ"إذ فيها حكم القاعدة لكن فيما يتعلق بتحريم النكاح وحله, وقد تكاملت معها قاعدة:"المعصية المجاورة لا تنفي الأحكام"وقاعدة"الباطل لا حكم له"في عدم تأثير الباطل على غيره.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] نقله عنه ابن مفلح في الآداب الشرعية 2/ 154.