فهرس الكتاب

الصفحة 6899 من 19081

إذا ارتكب محرمًا, ولا يصح منه عقد من العقود إذا أبرم شيئًا منها ولا يوصف فعله بالجناية إلى غير ذلك من الآثار المرتبة شرعًا على تصرفات المكلفين, إذ القلم عنه مرفوع والمؤاخذة عنه موضوعة؛ وذلك لأن المصاب بآفة الجنون لكونه لا يدرك حقيقة الأشياء ولا يفرق بين الضرر والنفع عادة لانتفاء قصده لا يتعلق بأقواله وأفعاله باعتبار الأصل حكم.

ويلاحظ أن الجنون ينافي أهلية الأداء, وهي صلاحية الإنسان لأن تصدر منه أقوال وأفعال يعتد بها شرعًا؛ لأن مناطها التمييز [1] فإنها لا تجامع الجنون بحال [2] , أما أهلية الوجوب بمعنى صلاحية الإنسان؛ لأن تثبت الحقوق المشروعة له وعليه, فهي تثبت للإنسان بالحياة و لا تفارقه إلا بالموت؛ لأن مناطها الذمة, وعليه يكون المجنون أهلًا؛ لأن تثبت الحقوق المشروعة له وعليه كالعاقل فيرث ويورث, ويؤاخذ بضمان الأفعال في الأموال على الكمال [3] , وتجب الزكاة في ماله عند جمهور الفقهاء , ويخرجها الولي من ماله؛ لأن الشارع جعل ملك النصاب سببًا في الزكاة فتجب بوجوده [4] , فليس في سقوط

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] شرح التلويح للتفتازاني 2/ 321.

[2] هذا باتفاق الفقهاء قلّ الجنون أو كثر، حتى لا يأثم بترك الأداء في حالة الجنون، وينافي وجوب القضاء أيضًا بالاتفاق إذا كثر بأن زاد عن يوم وليلة في حق الصلاة أو استغرق الشهر في حق الصوم، وإن كان أقل من ذلك يلزم القضاء عند بعض الفقهاء كالحنفية ولا يلزمه عن بعضهم كالشافعية؛ لأن القليل من الجنون ليس مثل الكثير في سقوط القضاء؛ لأن الكثير مستلزم للحرج دون القليل. انظر: كشف الأسرار 4/ 121، البحر المحيط للزركشي 9/ 254.

[3] انظر: المبسوط للسرخسي 4/ 2، العناية للبابرتي 9/ 254، البحر الرائق لابن نجيم 8/ 89، الجوهرية النيرة للعبادي 1/ 240، درر الحكام لمنلا خسرو 2/ 273، التاج والإكليل للمواق 5/ 120، الأم للشافعي 2/ 265، البحر المحيط للزركشي 2/ 68.

[4] وهذا أيضًا قول أكثر الصحابة والتابعين منهم عمر وعلي وابن عمر وأم المؤمنين عائشة وجابر وابن سيرين وعطاء ومجاهد وابن أبي ليلى وإسحاق وأبو ثور وغيرهم، وخالف في ذلك الحنفية فذهبوا إلى أنه لا زكاة في مال المجنون؛ لأنه غير مخاطب بالعبادة، والزكاة من أعظمها، فلا تجب عليه كالصلاة، وبهذا قال أيضًا سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وأبو وائل والنخعي. إلا أن هذا نوقش بأن الصلاة في حق المجنون تفارق الزكاة؛ لأن الصلاة عبادة بدنية محضة بخلاف الزكاة فإنها عبادة مالية. انظر: بدائع الصنائع 2/ 5، المدونة 1/ 308، مواهب الجليل للحطاب 2/ 292، مغني المحتاج للخطيب الشربيني 2/ 122، كشاف القناع للبهوتي 2/ 173، التاج المذهب للعنسي 1/ 182.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت