القلم عن المجنون سقوط حقوق الأموال؛ لأن المال هو المقصود في حقوق العباد دون الفعل, والمقصود يحصل بأداء النائب فكان المجنون من أهل وجوبه, فالحاصل أن الجنون لا ينافي أصل الوجوب, وإنما فيه سقوط الملامة وسقوط فرائض الأبدان فقط [1] .
وحكم الجنون مقرر فيمن كان زوال عقله بالجنون تامًّا مستمرًّا, أمَّا بالنسبة لمن كان جنونه متقطعًا ينتابه المرض حينًا ويرتفع عنه حينًا آخر, أو كان جنونه جزئيًا قاصرًا على ناحية أو أكثر من تفكيره بحيث يفقده الإدراك في هذه الناحية أو تلك النواحي فقط مع بقائه متمتعًا بالإدراك في غيرها من النواحي, فإنه يكون بمنزلة الصحيح في فترات الإفاقة وفيما يتعلق بالموضوعات [2] التي يدرك معناها [3] ؛ لأنه مخاطب في ساعات عقله غير مخاطب في ساعات جنونه [4] , وهذا ما عبر عنه الفقهاء في غير موضوع منها:"تصرفات المجنون غير المطبق في حال إفاقته كتصرف العاقل" [5] ,"الذي يجن ويفيق فهو في حال إفاقته عاقل وفي حال جنونه مجنون" [6] وعلى ذلك يخاطب بالعبادات وتقع منه في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: كشف الأسرار لعلاء الدين البخاري 4/ 268، البحر الرائق لابن نجيم 2/ 312، المحلى لابن حزم 4/ 10، معارج الآمال للسالمي 7/ 68.
[2] مع الإشارة إلى أن ما يسمى بالجنون الناقص نادر الحدوث، وهو ما إذا كان الجنون قاصرًا على ناحية أو أكثر من تفكير المجنون بحيث يفقده الإدراك في هذه الناحية أو هذه النواحي فقط مع بقائه متمتعًا بالإدراك في غيرها من النواحي. التشريع الجنائي الإسلامي لعبد القادر عودة 1/ 586.
[3] انظر: كشف الأسرار لعلاء الدين البخاري 2/ 264، حاشية ابن عابدين 6/ 145.
[4] المحلى لابن حزم 7/ 199.
[5] مرآة المجلة ليوسف آصاف 2/ 16.وبلفظ آخر:"الذي يجن ويفيق كالصحيح". البحر الرائق لابن نجيم 8/ 199.
[6] البحر الرائق 4/ 239.