فهرس الكتاب
وأما القسم الثاني: الجهل بالحال, فهو: أن لا يعلم أن هذا الشيء بعينه هو المحرم, أو أن هذا الزمن هو زمن التحريم, أو أن هذا المكان هو مكان التحريم [1] . ويعبر عنه فقهاء المالكية بالجهل بالمحكوم فيه أو الجهل بالسبب؛ أي السبب الموجب للحكم [2] .
والجهل في مثل ذلك إذا تعذر الاحتراز منه يكون عذرًا, ولكن يقتصر أثره على رفع الإثم والعقاب في المنهيات, أما إذا كان الجهل بالحال متعلقا بمحل الحكم ومناطه في المأمورات فيكون مسقطا للإثم عنه, دون الحكم.
ومن صور الجهل بالحال الجهل بالوقائع التي تقع نتيجة لتصرفات المكلفين, والتي يترتب عليها أحكام تتوجه إلى المكلف إما منعًا أو طلبًا؛ فالجهل بها يكون عذرًا معتبرًا في الشريعة؛ كمن نكح من ظنها أجنبية, جاهلا أنها أخته من الرضاعة, وكجهل الشفيع وقوع البيع لدار جاره [3] .
وقد اختلف الفقهاء في التمييز بين الجهل الذي يعذر به صاحبه وغيره, ولكل مذهب تفصيله ومقاييسه في ذلك؛ فذهب الحنفية إلى أن الجهل ينقسم من حيث العذر وعدمه إلى أربعة أنواع [4] , ويمكن دمجها في نوعين رئيسين:
النوع الأول: جهل باطل, لا يصلح عذرًا؛ كجهل الكافر بذات الله تعالى وصفاته, وجهل صاحب الهوى؛ كالمجسمة والكرامية, وجهل الباغي, وجهل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: منظومة أصول الفقه وقواعده لابن عثيمين ص 225.
[2] انظر: قواعد المقري 2/ 412، شرح المنهج المنتخب للمنجور 1/ 248. وقد يعبر عنه بعض الفقهاء بالجهل بصفة الذات الواقع عليها الفعل، أو بالحالة القائمة بها. انظر: المجموع المذهب للعلائي 1/ 394، قواعد الحصني 2/ 287.
[3] انظر: التقرير والتحبير في شرح التحرير لابن أمير حاج 3/ 329، التوضيح للمحبوبي بشرح التلويح للتفتازاني 2/ 185، المشقة تجلب التيسير للباحسين ص 148.
[4] انظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 303، أصول البزدوي مع كشف الأسرار لعلاء الدين البخاري 4/ 330، التقرير والتحبير لابن أمير حاج 3/ 313، نظرية الضرورة الشرعية للزحيلي ص 118.