أخوة النسب, فأخوة الإسلام توجب على المسلم حماية أخيه المسلم والدفع عنه, ولا يلزمه ما عقد على نفسه في ذلك من بيع ولا هبة, وله القيام فيها متى أحب, ووسعه شرب الخمر وأكل الميتة, ولا إثم عليه في ذلك ولا حد, كما لو قيل له: لتفعلن هذه الأشياء أو لنقتلنك, وسعه في نفسه إتيانها ولا يلزمه حكمها, وحري أن يسعه ذلك في حماية أبيه وأخيه في النسب وذوي محارمه ولا يلزمه ما عقد على نفسه من بيع ولا هبة ولا فرق بينهما [1] .
والحاصل أن المتوعد به إذا كان متوجهًا إلى شخص المكرَه أو إلى من تربطه به صلة قوية كأصوله وفروعه ومحارمه فإن ذلك يعد إكراهًا معتبرًا على رأي أكثر الفقهاء؛ لأن الأذى الذي يلحق أصول الشخص كأبيه وأمه أو يلحق فروعه كابنه وبنته أو يلحق محارمه كأخيه وأخته إنما يلحقه تبعًا ويوجب له الغمَّ والألم بحكم العادة, كما لو توعد شخص آخرَ بقتل ولده إذا لم يرسل له مبلغًا من المال على حسابه البنكي, عدّ ذلك إكراهًا عند جمهور الفقهاء؛ لأن الوالد يتأذى في نفسه بما يتأذى به ولده [2] , وكما لو هدد شخص شخصًا آخر باختطاف أبيه وتعذيبه إن لم يوقع على ورقة تفيد أنه شريك له في تجارته, ولم يستطع المكرَه دفع المكرَه, يعد ذلك إكراهًا [3] ؛ لأن المدار في تحقق الإكراه على حدوث الخوف في نفس المكره, وإن إيذاء الوالدين ومن في حكمهما كإيذاء الولد بل أشد والمدار في تحقق الإكراه على حدوث الخوف في نفس المكره ومن أشهر مخرجات هذا الأمر قاعدة:"الإكراه بسبب الولد كالإكراه بالنفس" [4] , وما سوى ذلك كتوجه التوعد إلى أجنبي أو إلى من تربطه بالمكرَه صلة جوار أو صداقة أو قرابة بعيدة, فلا مانع من رعي الخلاف فيه, فيكون
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] شرح صحيح البخاري لابن بطال 8/ 308.
[2] انظر معنى هذا: مبدأ الرضا في العقود للقره داغي 1/ 413.
[3] انظر معنى هذا: نهاية المحتاج للرملي 6/ 447، أسنى المطالب لزكريا الأنصاري 3/ 283، شرائع الإسلام للحلي 3/ 4.
[4] انظر: مواهب الجليل للحطاب 4/ 251، التاج والإكليل للمواق 5/ 312.