وقد اتفق الفقهاء - في الجملة - على اعتبار هذه القاعدة, ومعناها أن الخوف عذر يستوجب لصاحبه الرخصة في فعل المنهي عنه, وكذا في ترك ما يكون واجبًا في حال الأمن, أو بعبارة أخرى: إن الخوف يسوغ لصاحبه أن يفعل ما لم يكن له فعله بدون الخوف, ومعلوم أن الرخصة تكون إما بإسقاط الفعل, مثل سقوط الخروج إلى الجماعات, وسقوط استقبال القبلة في الصلاة عند الخوف, أو بتنقيص الفعل الواجب, مثل قصر الصلاة الرباعية, أو تكون بالانتقال إلى البدل, كما في إبدال الوضوء والغسل بالتيمم مخافة الهلاك, أو ضياع المال.
ويستوي في هذا الخوف خوف الإنسان على نفسه, أو على من تحت ولايته, مثل خوف الأب على أبنائه وأهله, وخوف الولي على من تحت ولايته, وخوف الحاكم على الرعية, أو كان الخوف على المال؛ لأن"الخوف على المال كالخوف على النفس" [1] وكذلك الخوف على الدين - بل إن الخوف على الدين أشد من الخوف على النفس - وسائر الضروريات الخمس. قال الإمام الشاطبي - رحمه الله تعالى:"الخوف على النفس أو العقل أو المال يمنع من العمل المسبب لذلك إن كان لخيرة الإنسان, ويرخص له فيه إن كان لازمًا له, حتى لا يحصل في مشقة ذلك؛ لأن فيه تشويش النفس" [2] .
وإذا تزاحم الخوف على فوت مصلحتين, أو الخوف من حصول مفسدتين, أو الخوف من فوات مصلحة أو وقوع مفسدة عمل بالراجح من الأمرين بناءً على القواعد المقررة في هذا الشأن.
وكون الخوف عذرًا ليس خاصًا بالعبادات, بل هو معتبر أيضًا في حقوق العباد, والمعاملات وسائر التصرفات, ولذلك وجدنا المصادر الفقهية في شتى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الاختيار لتعليل المختار للموصلي 1/ 220.
[2] الموافقات للشاطبي 2/ 245.