أبوابها طافحة بذكر عذر الخوف تعليلًا به أو شرطًا, أو استثناءً من فعل المأمور به أو ترك المنهي عنه, من ذلك - مثلًا - ما قاله بعض الفقهاء من أن من بنى بامرأة ثم طلقها أو مات عنها فهي أحق بنفسها وتسكن حيث شاءت إلا أن يخاف عليها الضيعة والمواضع السوء أو يخاف عليها من نفسها وهواها فيكون للأب أو للولي أن يمنعها من ذلك. وكذلك الغلام إذا احتلم فله أن يذهب حيث شاء وليس للوالد أن يمنعه إلا أن يخاف من ناحيته سفهًا فله أن يمنعه [1] .
وهذه القاعدة قريبة المعنى في جانب منها - وهو فعل المحظور بعذر الخوف - من قاعدة"الضرورات تبيح المحظورات"؛ لأن الضرورة في معظم مسائل هذه القاعدة سببها الخوف على الضروريات الخمس, مع أن حالة الخوف الذي ينتهض عذرًا في تخفيف الأحكام بشكل عام أقل درجة وأدنى خطرًا على الإنسان من حالة الضرورة.
والعبرة في كون سبب الخوف عذرًا معتبرًا شرعًا بحال أوساط الناس عادة - كما هو في سائر الأحكام - بحيث لا يغلب عليه الحذر والاحتياط إلى درجة يوصف معها بالجبان, ولا أن تغلب عليه الجرأة والإقدام إلى درجة يوصف معها بالمتهور والمجازف.
ويجدر التنبيه هنا على أنه يشترط في اعتبار الخوف عذرًا أن يكون ناشئًا عن أمارة مظنونة أو متحققة, ولا يكون مجرد التوهم؛ فإن مجرد التوهم لاغٍ ولا تتعلق به الأحكام شرعًا, كما نصت على ذلك القاعدة القائلة:"لا عبرة للتوهم" [2] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: المدونة لسحنون 4/ 155، 157.
[2] المجلة، المادة 47.