فهرس الكتاب

الصفحة 7148 من 19081

العبادة كمشقة الوضوء والغسل في شدة البرد, ومشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار, ومشقة الحج, ومشقة الجهاد, ونحوها. فهذه العبادات تتطلب مشقة فيؤجر المكلف على قدر المشقة؛ لأن هذه المشقة تتبع عبادة, ويثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا. فإذا لم تكن العبادة تتطلب هذه المشقة, فلا تكون المشقة مطلوبة ولا يؤجر عليها الإنسان إذا قصدها لذاتها.

ومعنى القاعدة: أن الثواب في الطاعات والعبادات يكثر بكثرة المشقة؛ لأن كثرة العبادات تتطلب المزيد من الصبر والتحمل والمجاهدة, وهذه أمور يتفاوت فيها الناس بتفاوت إيمانهم, فكان أكثرهم في ذلك أعلاهم منزلة وأكثرهم ثوابا وفضلا. فالأجر على التكاليف الشرعية يزداد بسبب انضمام أجر ما يتحمله المكلف من مشاق في سبيل الوصول لأداء هذه التكاليف, ليس لأن المشقة مقصودة من العمل؛ بل لأن العمل مستلزم

للمشقة والتعب فلا يتم إلا بهما, فأما كون العمل شاقا فليس ذلك سببا لفضل العمل ورجحانه في حد ذاته, بل فضله لمعنى غير مشقته, والصبر عليه مع المشقة يزيد ثوابه وأجره, فيزداد الثواب بالمشقة. فمن ذهب للحج أو العمرة من مكان بعيد يكون أجره أعظم من القريب, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ل عائشة في العمرة: (أجرك على قدر نصبك) . [1]

وإذا كانت المشقة غير ملازمة للعمل فلا يجوز للمكلف أن يجلبها على نفسه لزيادة الأجر والثواب, ففي ذلك مخالفة للسنة, وتعذيب للنفس, وهذا غير مقصود للشارع, كمن يكلف نفسه بصيام الدهر أو ترك الزواج. [2] وفي هذه الحالة لا يكون للمشقة أجر, بل قد يكون عليها إثم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى:"قول بعض الناس: (الثواب على قدر المشقة) ليس بمستقيم"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] رواه البخاري 3/ 5 (1787) ؛ ومسلم 2/ 876 - 877 (1211) / (126) من حديث عائشة رضي الله عنها.

[2] انظر قواعد الأحكام ص 1/ 29، مجموع الفتاوى 10/ 621 - 624، نشر البنود لعبد الله الشنقيطي 2/ 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت