مع سهولة ذلك وخفته مع تحققه, وقد كانت قرة عين النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة, وكانت شاقة على غيره, وليست صلاة غيره مع مشقتها مساوية لصلاته مع خفتها وقرتها, وكذلك إعطاء الزكاة عن طيب نفس أفضل من إعطائها مع البخل, ومجاهدة النفس. وكذلك جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة. وجعل للذي يقرأه يتعتع فيه وهو عليه شاق أجرين [1] " [2] . ثم دلل على أن الثواب لا يترتب على قدر النصب في جميع العبادات بأدلة, منها: ما رواه أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم, وأرفعها في درجاتكم, وخير لكم من إنفاق الذهب والورق, وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟"قالوا: بلى قال:"ذكر الله" [3] وقوله صلى الله عليه وسلم:"من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه". [4] وقوله صلى الله عليه وسلم:"كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن, سبحان الله وبحمده, سبحان الله العظيم" [5] "
فعظم المشقة لا يستلزم كثرة الأجر, فالأعمال لا تتفاضل فيما بينها بمقدار ما يتحقق فيها من المشقة, وإنما تتفاضل بحسب تفاضلها في الثمرة والشرف, وما يترتب عليها من المصالح. [6] وقد ذكر الإمام العز بن عبد السلام -رحمه الله تعالى- ضابط الفعل الشاق الذي يؤجر عليه أكثر مما يؤجر على
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] جزء من حديث رواه البخاري 6/ 166 (4937) ؛ ومسلم 1/ 549 - 550 (798) / (244) واللفظ له من حديث عائشة رضي الله عنها، وأوله"الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة".
[2] قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام 1/ 29 - 30.
[3] رواه أحمد 36/ 33 (21702) وفي مواضع أخر؛ والترمذي 5/ 459 (3377) وابن ماجه 2/ 1245 (3790) ؛ والحاكم 1/ 496 وصححه؛ ووافقه الذهبي.
[4] رواه مسلم 4/ 2071 (2692) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[5] رواه البخاري 8/ 86 (6406) ؛ ومسلم 4/ 2072 (2694) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[6] الذخيرة للقرافي 2/ 548، 5/ 295، الفروق له أيضا 2/ 228، تهذيب الفروق لمحمد المكي المالكي 2/ 216، قواعد المقري 2/ 409، مجموع الفتاوى لابن تيمية 25/ 281.