فهرس الكتاب

الصفحة 7152 من 19081

ورفع الحرج, ولو كانت المشقة مطلوبة لذاتها ويترتب الأجر عليها لكان التقرب بالنوافل الكثيرة والشاقة أكثر أجرا من التقرب بالفرائض التي هي دونها مشقة, وهذا معروف بطلانه لما جاء في الحديث القدسي:"وما تقرب إلى عبدى بشيء أحب إلى مما افترضت عليه" [1] , وقد جعل الشارع لكلمات وأفعال يسيرة أجرا عظيما يفوق الأجر المترتب على ما هو أشق منها [2] , فلو عُلِّق الأجر بالمشقة لذاتها لكانت إماطة الأذى عن الطريق مثلا أكثر أجرا من كلمة الشهادة. [3]

فالقاعدة ليست على عمومها, فمن أعمال الطاعات ما هو يسير سهل وأجره كبير, وزيادة الأجر فيه تكون بقدر الإخلاص والصدق والمنفعة, مثل ذكر الله عز وجل, ومثل العمل في ليلة القدر فهو خير من العمل في ألف شهر مع كثرة المشقة في الأخير.

وهي ليست على إطلاقها أيضا؛ بل مقيدة باتحاد نوع العبادة أو الطاعة, كما نصت عليه بعض صيغها الأخرى, فكثرة الأجر لكثرة الطاعة أو العبادة يكون للمشقة الحاصلة بسبب ذلك بالنسبة لذات العبادة أو الطاعة, لا بمقارنتها بعبادة أو طاعة أخرى, وبالنسبة لمكانهما وزمانهما الواحد, لا لمكانين وزمانين مختلفين, فصلاة الفريضة تقارن بصلاة الفريضة, وقيام ليلة القدر يقارن بالقيام فيها, وهكذا. فهي إذن خاصة بالطاعتين المتشابهتين وإحداهما أكثر فعلا وأيسر عملا من الأخرى وثوابها أعظم منها. وفائدة هذا القيد رد الاعتراض عليها بدعوى أن الفعل الأقل قد يكون أكثر ثوابا كقيام ليلة القدر بالنسبة لقيام ليال من رمضان, أو صلاة ركعتين في المسجد الحرام بالنسبة إلى ركعات كثيرة في غيره.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] رواه البخاري في صحيحه 8/ 105 (6502) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[2] راجع الأدلة السابقة التي ذكرها الإمام العز بن عبد السلام.

[3] انظر الموافقات للشاطبي 2/ 125 - 133، قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 1/ 31، 32، مجموع الفتاوى 10/ 620 - 624.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت