والذمة لا حد لسعتها؛ لأنها ظرف اعتباري فتتسع لكل ما يتصور من الحقوق, فكما تشغل بحقوق الناس المالية تشغلها أيضا الأعمال المستحقة كعمل الأجير, وتشغلها الواجبات الدينية من صلاة ونذور وغيرها. ولأن الذمة تتسع لكل الحقوق فالشخص الواحد ليس له سوى ذمة واحدة, وما يثبت في ذمة الإنسان من حقوق عليه لا يتقيد وفاؤها بنوع خاص من ماله أو بجزء معين منه, فإذا كان على شخص ديون كثيرة, فمتى استقرت هذه الديون في ذمته بسبب صحيح فإنها تتساوى في ضمانها بلا ترجيح, ولا يقتضي ذلك منع المدين من التصرف بأمواله؛ لأن الذمة مستقلة عما يملك صاحبها, فتتساوى فيها الديون ولا يكون سبق بعضها في الثبوت سببا لترجيحه [1] . ولأن الذمة مستقلة عن مال صاحبها فإنه يكون مطلق اليد في التصرف بماله بيعا وهبة وغيرهما ولو كان مدينا بأكثر مما يملك؛ لأنه إن كانت ذمته مشغولة فأمواله حرة. [2] أما اختلاف الفقهاء في الذمة فهو في كونها محلا لحقوق الإنسان وواجباته أم محلا لما عليه من واجبات فقط, فذهب الحنفية و الشافعية و الحنابلة إلى أنها محل للحقوق والواجبات. [3] وذهب المالكية إلى أن الذمة محل للواجبات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] يستثنى من ذلك بعض الديون التي يقرر الشارع لها امتيازا وتقديما في الاستيفاء لبعض الأسباب الموجبة لذلك، كتقديم حق المرتهن في استيفاء دينه من العين المرهونة على حقوق بقية الدائنين، وتقديم دين الصحة على دين مرض الموت، وتقديم حق تجهيز الميت وتكفينه على ديونه، عند بعض الفقهاء. انظر جلة الأحكام العدلية م/729، م/1602.
[2] انظر المدخل إلى نظرية الالتزام ص 201 - 204.
[3] يظهر رأي الحنفية في تعريفهم للذمة، فعرفها بعضهم فقال: الذمة في الشرع وصف يصير به الإنسان أهلا لما له وعليه. انظر التوضيح شرح التنقيح للمحبوبي 3/ 161، مرآة الوصول 2/ 434، كشف الأسرار لعلاء الدين البخاري 4/ 238، حاشية ابن عابدين 5/ 381. أما رأي الشافعية والحنابلة فيفهم مما أثبتوه للميت من حقوق، وكذلك مما أثبتوه لغير الإنسان من حقوق. انظر: تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي 5/ 116، حاشية البجيرمي 2/ 406، حاشية الجمل 3/ 311، كشاف القناع للبهوتي 9/ 328.