يمكن أن تُشغل بشيء محسوس, لكن إذا تعذر المعين واستحال وجوده أو الحصول عليه انتقل الحكم إلى الذمة.
والفرق بين ما في الذمة والمعين: أن الحق الذي وجب في الذمة لا يخرج منه إلا بأدائه, فإذا كان الحق لله تعالى, كنذر شيء معين أو تعيين هدي واجب, فلا يؤثر عليه التعذر بالهلاك أو العطب أو السرقة مثلا, بل ينتقل الحق المعين الذي تعذر إلى الذمة. [1] وإذا كان من حقوق العباد فلا يؤثر عليه التعذر بغصب الغاصب أو الضياع والهلاك مثلا, بل ينتقل إلى الذمة, ويكون لمن عليه الحق المعين المتعذر أن يتخير بين الأمثال ويعطي أيَّ مِثْل شاء؛ لأن الحق بعد انتقاله إلى الذمة وثبوته فيها يقوم غيره مقامه. أما المعين فلا يدخل الذمة ابتداء ولا ينتقل إليها إلا عند تعذره, والحق في المعينات يتعلق بعينها لا يتجاوزها كشراء سيارة بعينها أو كراء عقار بعينه, فإذا استُحقت [2] سلعة معينة بعد شرائها انفسخ العقد؛ لأن المعين ليس له مثل يعطى بدله, لكن لا يفسخ البيع باستحقاق المضمون في الذمة مثل السلم أو الكراء المضمون بل يجب أداء ما كان على وصفه. [3]
... وإذا انتقل الحق العيني إلى الذمة لتعذره فإنه ينتقل معه حكمه الذي كان ناشئا عن عينيته, كما في المغصوب؛ فإنه ما دامت عينه باقية على حالها في يد الغاصب فللمالك حق عيني فيه يسوغ طلب استرداده؛ لكن إذا حوله الغاصب إلى صفة أخرى يحدث له بها اسم جديد بحيث تزول أكثر منافعه المقصودة, كما لو كان المغصوب حنطة فطحنها الغاصب حتى صار اسمها دقيقا, أو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر حاشية ابن عابدين 2/ 12، المغني لابن قدامة 3/ 534.
[2] الاستحقاق معناه: ظهور مالك لها غير البائع أو يظهر أنها مرهونة أو غير ذلك.
[3] انظر موسوعة القواعد للبورنو 10/ 774، تطبيقات قواعد الفقه عند المالكية للصادق الغرياني ص 287 - 288.